
المكالمة اللي جات في نص الليل من المستشفى العام في القاهرة نزل خبرها علينا زي الصاعقة اللي كوت قلوبنا من جديد. الدكتور اللي كان متابع حالة بنتي في الطوارئ اتصل وقال بصوت مرعوب ومتقطع: “يا جماعة، الشرطة جات المستشفى ومعاهم أمر تفتيش وأمر ضبط وإحضار لبنتكم، لأن أهل طليقها قدموا تقرير طبي مزور ومختوم من مستشفى خاص يدّعوا فيه إن بنتك عندها حالة صرع واضطراب عقلي خطير يجعلها تشكل خطر دائم على حياة الطفل، والأقسى من كده، إنهم استغلوا غيابكم ورفعوا دعوى عاجلة لسلخ الحضانة وتسليم الولد لأبوه فوراً، والقاضي حدد جلسة عاجلة بعد ٤٨ ساعة فقط! لو بنتك وما ظهرتش في المحكمة بنفسها ومعاها الطفل والتقرير الطبي الحقيقي، الحضانة هتسقط عنها غيابياً والشرطة هتصدر أمر بقبضها وقبض الطفل!”
الخبر طيّر العقل من راسي. بنتي سمعت كلام الدكتور والدنيا اسودت في عينها، بدأت تتنفس بصعوبة وأيدها المربوطة بالشاش بقت ترتعش، وصحيت فيها كوابيس الدم والسكين من جديد. مسكت في جلابيتي بدموع تذوب الحجر وقالت: “خلاص يا أمي.. خلاص النذل هيستغل الفقر والدكاترة المزورة وياخد مني محمد! أنا مستعدة أموت ولا إني أشوفه بياخده مني تاني!”
في اللحظة دي، وقفت أنا وعمها الحاج عبد المجيد ومحامي العيلة الشاب اللي جه مخصوص الصعيد. المحامي بص لنا وقال بحسم وصرامة: “مفيش وقت للخوف ولا للهروب.. الهروب هيرسّخ التهمة عليهم ويخلي المحكمة تقتنع إنها مريضة ورافضة تطلع على الطب الشرعي. إحنا لازم نرجع القاهرة فوراً، ونواجههم في جلسة المحكمة! إحنا معانا كروت قوة محددة: تقرير المستشفى العام الموثق اللي بيثبت إن الانتحار كان نتيجة ضغط ونزيف حاد مش صرع ولا جنون، وشهادة دكاترة العناية المركزة، والتفريغ بتاع كاميرات المراقبة اللي بيثبت الاستعانة بالبلطجية والتهديد بالدم.”
الحاج عبد المجيد قام وقف وهز نبوته في الأرض وقال بصوت زلزل المندرة: “أنا جاي معاكوا للقاهرة، وجايب معايا أربعة من رجالة العيلة يوقفوا حراسة على البنت والولد قدام باب المحكمة، والقانون لو ما جابش حقنا، الرجالة تعرف تاخد الحق من عين النذل!”
سافرنا القاهرة في قطار الليل، السفرية كانت أطول من العمر كأنه دهر كامل. كنت قاعدة جنب بنتي، حاطة إيدي على كتفها وبصلي لربنا في سرّي، أرجوه وأبكي له: “يارب.. أنا اللي كتبت الشقاء ده بإيدي يوم ما طمعت خفت من المصاريف ورميت ضناها، يارب القسوة كانت مني والندم كل عظمي، متقابش البنت بذنب أمها، ورجعلها حقها قدام الناس.”
وصلنا مجمع المحاكم الصبح بدري. الشارع قدام المحكمة كان مليان ناس، ورجالة عمها كربسوا نفسهم حوالين بنتي والولد كأنهم درع بشر. دخلنا القاعة، ولقينا طليقها الندل قاعد في الصف الأول ومعاه أمه، لابس بدلة وشكله نضيف ومتأنق، وأول ما شافنا دخلنا، ابتسم ابتسامة مسمومة وفيها ثقة النذل اللي مقتنع إن الفلوس والمكر هيكسبوا.
اتنادت القضية: “دواعي إسقاط الحضانة للمكلفة.. جلسة عاجلة.”
وقف محامي طليقها، وبدأ يلقي خطبة مليانة كذب وفجر، وطلع أوراق مزورة وقال: “يا سيادة القاضي، المودة والرحمة تقتضي إننا ننقذ الطفل ده! الأم مريضة نفسياً، حاولت تنهي حياتها بقطع الشرايين في شقتها، وعندها نوبات صرع واضطراب سلوكي يهدد الطفل بالقتل أو العاهة! والأب رجل ميسور وجاهز يوفر له الحياة الكريمة والأمان!”
القاضي بص للأوراق، وبعدين بص لبنتي اللي كانت واقفة في القفص، جسمها نحيف، وشها أصفر، وإيدها المربوطة بالشاش باينة تحت الطرحة، لكن عينيها كانت ماسكة في ابنها وثابتة.
هنا وقف المحامي بتاعنا، وبصوت هز أركان القاعة، قدم الملف الموثق وقال: “سيدي الرئيس! التقرير المقدم من الدفاع الآخر هو تقرير مزور صادر من مركز خاص غير معتمد، ونطلب إحالة المحررين للنيابة العامة بتهمة التزوير! إحنا بنقدم للمحكمة التقرير الطبي الرسمي الصادر من المستشفى العام، موثق بختم النسور، والذي يؤكد أن محاولة الانتحار كانت غيبوبة صدمة ناتجة عن تعسف الأب، وطرده للأم وطرد طفل عمره ٣ سنوات، وحرمانه من القوت والنفقة، واستخدامه أساليب التهديد بالدم والبلطجة لإرهابها!”
المحامي كمل وقدم شريط الفيديو المفرغ من الكاميرات، وتقرير النيابة العامة الصادر بضبط وإحضار الأب بتهمة محاولة اختطاف طفل وتشكيل عصابة بلطجية!
السكوت حل على القاعة كلياً.. القاضي رفع نظارته، وبدأ يقلّب في أوراق التقرير الطبي الرسمي وفيديو الكاميرات. وش طليقها بدأ يتغير، والأحمر بيطلع في وشه، وأمه بدأت تفرك في إيدها وتعرّق من الخوف.
القاضي بص لطليقها وقال بصوت صارم يقطع العرق: “أين النفقة التي دفعتها لطفلك منذ تاريخ الطلاق؟ وهل قمت بتوفير مسكن حضانة كما ينص القانون؟”
طليقها اتلعثم وما عرفش يرد، ومحاميه حاول يتدخل، فالقاضي نهره بحزم: “اسكت أنت!”
القاضي بص لبنتي وسألها بمنتهى الرفق: “يا ابنتي.. هل تطلبي العلاج النفسي؟ وهل تعاني من أي أمراض تمنعك من رعاية ابنك؟”




