Uncategorized

بنتي اتطلقت حكايات زهره 3

بنتي رفعت رأسها، ولأول مرة من شهور شفت في عينها قوة الجبل اللي مبيتهزش. قربت خطوة من منصة القاضي، وقالت بصوت نقي وثابت ومسموع للقاعة كلها: “يا سيادة القاضي.. أنا ما عنديش غير ابن ده من الدنيا. أنا اشتغلت في مشغل خياطة وشيلته على كتفي من أذان الفجر عشان أوكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. أنا ما قطعتش شراييني عشان مجنونة.. أنا قطعت شراييني لما حسيت إن الدنيا كلها قست عليا، وإن ضنايا اتأخد مني بالقوة والذل. أنا عاقلة وسليمة، ومستعدة أقف قدام أي لجنة طبية تشكلها المحكمة، بس أرجوك يا سيادة القاضي.. متحرمنيش من الحتة اللي باقية لي في الدنيا.”
القاضي بص لها بنظرة فيها تقدير وإنسانية عظيمة، ورفرف بأوراقه وسكت لثواني كانت أطول ثواني في حياتنا كلنا.. القاعة كلها كانت حابسة أنفاسها، وطليقها واقف بيترعش، وأنا حاطة إيدي على قلبي وبدعي ربنا يظهر الحق.
رفع القاضي القلم، ودق بالمطرقة على الخشب، وبدأ ينطق بالحكم اللي هيحدد مصيرنا ويا إما يرفع رأسنا يا إما يرمينا في الجحيم للأبد…
دقّ القاضي بالمطرقة على الخشب، وصوت ضربة المطرقة يرنّ في صمت القاعة كأنه صوت الفصل بين الحياة والموت. رفّع القاضي نظارته، وبص للحاضرين بصرامة وعدل، وبدأ ينطق بالحكم بصوت تقيل هزّ القاعة كلها:
“حكمت المحكمة:
أولاً: رفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من الأب لعدم الصحة وثبوت التزوير في التقارير الطبية المقدمة منه، وإحالة الأوراق للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المزورين.
ثانياً: إثبات حضانة الطفل لأمه فوراً وبصورة نهائية.
ثالثاً: إلزام الأب بدفع كافة النفقات المتأخرة وتوفير مسكن حضانة مناسب للأم وطفلها، أو دفع أجر مسكن شهري، وتكليف الجهات المختصة بالتنفيذ الفوري!”
أول ما القاضي نطق الحكم، القاعة كلها اتنفضت! بنتي وقعت على ركبها على البلاط، وسجدت لله سجدة شكر وهي بتبكي بنحيب ودموع المظلوم اللي ربنا رد له حقه. جريت عليها وارتميت في حضنها على البلاط، بقيت أبوس رأسها وإيديها وأبكي معاها، وأنا بصرخ في سري: ” الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنك ما حرمتنيش منها وما حرمتهاش من ضناها!”
طليقها وقف في مكانه مصدوم، وشه أسود زي الطين، وأمه صرخت وتولت في وسط القاعة. لكن الشرطة مادتهمش فرصة يتكلموا ولا يتحركوا؛ الحرس دخل فوراً وكلّبش إيدين طليقها بناءً على قرار النيابة السابق بتهمة التهديد والبلطجة ومحاولة الخطف والتزوير، وسحبوه قدام الناس زي الكلب المهان وهو بيتحسر ويتلفت حواليه ووالدته بتجري وراه وتصرخ.
خرجنا من المحكمة ورجالة عمها عبد المجيد واقفين حوالينا مرفوعين الرأس والشأن. بنتي شالت ابنها محمد، وحضنته في صدرها بكل قوتها، والولد مسك في رقبتها وهو يبتسم، كأنه حاسس إن الكابوس خلص وإن الشمس طلعت من جديد.
رجعت أنا وبنتي والولد لبيتنا.. البيت اللي شهد على أقسى وأبشع أيام حياتنا. قعدت تحت رجلين بنتي في الصالة، ومسكت إيديها التنين وقريت فيهم الندم، وقولتلها بصوت مكسور: “يا بنتي.. أنا السبب في كل المر اللي شفتيه، أنا اللي طمعت وخفت من اللقمة وقست عليكي وقويت الندل ده عليكي.. لو عايشة بقية عمري تحت رجليكي أخدمك أنتِ وابنك مش هيكفي ذنبي.”
بنتي بصت لي والدموع في عينيها، بس المرة دي كانت دموع مسامحة ورضا. رفعتني من على الأرض وحضنتني وقالت لي: “خلاص يا أمي.. الجرح لمّ، وأنتِ فديتيني بعمرك وحريتك وقفتِ قدام الموت عشان ترجعي لي ابني. أنا مسامحاكي من كل قلبي، والحمد لله إن ربنا هدانا وعدّى الغمة.”
ومن اليوم ده، اتغيرت حياتنا تماماً. المحامي تابع إجراءات النفقة، وأخدنا حق بنتي وحق ابنها بالقانون من طليقها اللي دخل السجن يتربى على أفعاله وأذاه. بنتي رجعت لشغلها في المشغل، بس المرة دي وهي مرتاحة البال، مرفوعة الرأس، وابنها بيكبر قدام عينيها في أمان ودفء.
أما أنا، فبقيت أقعد بالولد طول النهار وألعب معاه وأراعيه، وأشيل حفيظي في عيني كأنه أعز من الروح. وكل ما أبص لمحمد وهو بيجري ويضحك في البيت، أحمد ربنا ألف مرة إنه رحمني من اللعنة، ورجع لي عقلي، وخلاني أعرف إن الضنى والأمان والستر أغلى من كل قرش في الدنيا.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى