
ابتسمت حنين، وأخرجت هاتفها مجدداً، وضغطت على زر الاتصال بشرطة النجدة، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت:
ـ “تستحمل بقى الأمر الواقع الحقيقي.. اللي مش تمثيل!”
-
حكايات ميرا1منذ 3 ساعات
-
زياد وفرح4منذ 4 ساعات
-
زياد وفرح 5منذ 4 ساعات
-
حكايات امانى السيدمنذ 4 ساعات
انطلق صوت نبرة هاتف النجدة العالية عبر مكبر الصوت، يُحدث دويّاً في أرجاء الصالة المليئة بالغبار والركام. ارتعد مدحت كأن صاعقة أصابته، ومد يده بلهفة ورعب محاولاً الإمساك بهاتف حنين:
ـ “اقفلي! اقفلي يا حنين الله يخرب بيتك.. بلاش فضايح في المنطقة!”
لكن حمزة، شقيق حنين، كان أسرع منه؛ إذ اعترض طريقه بجسده الضخم، ودفعه إلى الخلف بصدره دفعة خفيفة لكنها كانت كافية لتجعله يترنح ويسقط على كيس السمنت المفتوح، ليتناثر التراب الأبيض على ملابسه الأنيقة التي كان يستعد بها لمقابلة عروسته الجديدة.
ردت الموظفة من الطرف الآخر:
ـ “أيوة يا فندم، النجدة معاكي.. اتفضلي إيه بلاغك؟”
نظرت حنين إلى مدحت المستلقي على الأرض بنظرة تقزز واحتقار، ثم رفعت الهاتف إلى فمها وقالت بوضوح وثبات:
ـ “مساء الخير يا فندم، أنا بقدم بلاغ تهجم وإتلاف ممتلكات في العقار رقم… بالمنطقة… الزوج يستعين بعمال ودخل شقة الزوجية الخاصة بي وبيه والمملوكة مناصفة بعقد مسجل، وبيكسر الجدران وبيهد أثاثي وبيحاول يطردني بالقوة الجبرية، والرجال موجودين وبيحاولوا يعتدوا علينا.”
صرخ مدحت وهو يحاول القيام:
ـ “كدابة! دي شقتي ودي مراتي!”
قاطعته الموظفة على الهاتف بجدية:
ـ “تمام يا فندم، الدورية القريبة من المنطقة واخدة البلاغ ومتحركة لحضرتك فوراً، خليكم في مكانكم ومحدش يحتك بحد.”
أغلقت حنين الخط، وضعت الهاتف في حقيبتها ببرود شديد، ثم رفعت رأسها ونظرت للجميع. كان المشهد في الصالة قد تحول إلى زلزال؛ مدحت يمسح السمنت عن بنطاله والهلع يمتلك عينيه، والأم على السلم تلطم خدودها بصوت خافت وهي تنزل الدرجات المتبقية بصعوبة وتتوسل:
ـ “يا حنين يا بنتي.. يا حمزة يا ابني عشان خاطري، بلاش بوليس وفضايح! العمائر كلها ه تتفرج علينا والناس هتاكل وشنا!”
التفتت إليها حنين، ولأول مرة تحتد نبرتها بكسرة ألم مكتومة:
ـ “وشكم؟! أنتِ لسه بتفكري في وشكم قدام الناس يا خالة؟ لما اتفقتِ مع ابنك ومثلتِ إنك تموتي وتعبانة عشان تخليني أخدمك تحت رجليكي بأمانة، بينما ابنك بيبني ويجهز لعروسة ثانية فوق جثتي وكرامتي.. مكنتيش بتفكري في وشكم؟ لما سبتيني خمس أيام أعملك كمادات وأدويكي وأنتِ بتتفرجي عليا وبتضحكي في سرك.. مكنش عندك وش تخافي عليه؟!”
انكسرت الأم وسقطت جالسَة على أول درج من السلم، تبكي بحرقة وندم حقيقي هذه المرة، لكن الوقت كان قد فات. الندم لا يرمم الكرامة بعدما تُسحق.
خلال أقل من عشرين دقيقة، كانت سرينة سيارة الشرطة تدوي في الشارع الهدوء. تجمهر الجيران في البلكونات وعلى أبواب العمارة، يتهامسون ويتطلعون بالفضول إلى الشقة التي طالما كانت رمزاً للهدوء.
صعد أمين شرطة واثنان من أمناء المباحث. دخلوا الشقة واستطلعوا الأجواء: الركام، الجدران المهدومة، كيس السمنت، مدحت الملطخ بالتراب، ورجال عائلة حنين الواقفين بصرامة، وحنين التي تقف ومعها عقود الشقة وأوراق الإثبات.
سأل الضابط بحزم:
ـ “مين صاحب البلاغ؟ وإيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟”
تقدمت حنين وقدمت له أوراق الملكية وصور الشقة قبل التهديم، وفيديوهات أخذتها هاتفياً للعمال وهم يكسرون:
ـ “أنا صاحب البلاغ يا فندم. أنا وزوجي شُركاء في الشقة دي بالنصف بعقد مسجل. خرجت من الشقة بخدعة ومؤامرة منه ومن والدته، ولما رجعت لقيت الشقة مهدومة، وأثاثي الشفت والمباع مدمر، ومجيب صنايعية بدون ترخيص ولا موافقتي، ولما اعترضت هددني بالطرد والضرب عشان يجيب واحدة ثانية مكاني.”
نظر الضابط إلى العقد، ثم نظر إلى مدحت وقال بنبرة حادة:
ـ “الكلام ده مظبوط يا أستاذ؟ الشقة مناصفة؟ وتكسر فيها وتعدل من غير إذن شريكتك في العقد؟”
حاول مدحت التلجلج والتبرير:
ـ “يا باشا دي مراتي.. وإحنا بنجدد الشقة، اختلافات زوجية عادية والله ومش مستاهلة…”
قاطعه حمزة بحدة:
ـ “تجديد إيه يا باشا؟! الأستاذ متفق مع عروسة جديدة وجايب المقاول عشان يغير الشقة ويحط أختي قدام الأمر الواقع، يا تقعد خدامة لأمه فوق يا تترس في الشارع!”
شخص الضابط بنظرة صارمة لمدحت:
ـ “تجديدات إيه يا أستاذ بعقد مناصفة وبدون إذن شريكتك وبدون تراخيص حي؟ ده إتلاف ممتلكات وإضرار بحيازة، وبلاغ رسمي. اتفضل معانا على القسم أنت والمقاول لو موجود، وهنحرز الشقة لحد ما المحكمة والنيابة تبت في أصل النزاع والتمكين!”
سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس مدحت. “القسم؟ تحريز الشقة؟ النيابة؟”
يعني هذا أن فرحه المخطط له بعد أسبوعين قد انهار تماماً. يعني أن أهل عروسته الجديدة سيعلمون بالفضيحة وبالمحاكم، الشقة ستُغلق بالشمع الأحمر، وسيطارد في المحاكم بقضايا إتلاف وتبديد طلاق ومؤخر صداق!
توسل مدحت للضابط:
ـ “يا باشا أرجوك، بلاش قسم.. إحنا نتفاهم، والله العظيم نتفاهم!”
ثم التفت إلى حنين بعينين مكسورتين يكسوهما الذل، ورجاء لم تره فيه من قبل:
ـ ” حنين.. عشان خاطري.. بلاش تدخليني القسم.. قوليلي شروطك وأنا هعمل كل اللي أنتِ عايزاه.. والله هرجع كل حاجة زي ما كانت، وهكتبلك الشقة كلها باسمك لو عايزة!”





