روايات وقصص

حكايات حماده2

اتسعت حدقتا إيمي، واقتنصت التقرير الطبي من على المكتب ببدن يرتجف، بينما تحولت نظرات الدكتور هاريس إلى مزيج حاد من الشفقة والهلع الداخلي.

قال بصوت خفيض لكنه يقطع الأنفاس:

مقالات ذات صلة

“جسدكِ اعتاد على حمايته طوال خمسة وثلاثين عامًا. أسبوعان فقط بدون الجرعة كانا كفيلين ببدء التحلل النسيجي المخفي في جدران أوردتكِ. الأعراض لن تظهر دفعة واحدة يا سيدة كارتر… ستبدأ بدوار خفيف، ثم تنمل في أطرافكِ، وبعدها…”

صمت الطبيب ولم يكمل جملته.

تراجعتُ بجسدي إلى الخلف، وأسندتُ ظهري على الكرسي. تذكرتُ كل رشفة مريرة سكبتها في الحوض أثناء إقامة فيكتور في المستشفى، وتذكرتُ نظراته الضعيفة تحت قناع الأكسجين وهو يستحلفني بدموعه: “عديني أنكِ ستستمرين!”.

لم يكن يتوسل من أجل ذكراه… بل كان يتوسل لأجل حياتي.

صدمت إيمي بيدها على المكتب وصرخت في الطبيب:

“إذن أعطِها الدواء الآن! الطرد الأخير ما زال في المنزل، أو احضروا جرعة جديدة من المعمل فورًا!”

هز الدكتور هاريس رأسه بنظرة يائسة وأشار إلى الملف البني:

“الأمر ليس بهذه البساطة يا إيمي. تركيب المركب يحتاج إلى مادة خام نادرة تُستورد من الخارج، والتمويل المالي للشركاء توقف تمامًا لحظة إعلان وفاة فيكتور رسميًا. شركة التأمين أغلقت الملف، والمعمل حظر شحنات المواد الخام لأن الحساب البنكي المخصص للأبحاث تم تجميده!”

ساد الصمت الغرفة كالصرخة المكتومة.

قمتُ من مقعدي بخطوات غير ثابتة. كانت الأرض تميد بي، وطنين خفيف بدأ يتردد في أذني اليمنى — أولى العوارض التي حذر منها الطبيب.

قلتُ والدوار يتسلل إلى رأسي:

“كم زجاجة متبقية في القبو؟”

نظرت إيمي إليّ بذعر، بينما أجاب الدكتور هاريس:

“فيكتور كان يحتفظ بشحنة طوارئتكفي لثلاثة أشهر فقط في الصندوق الخشبي المصفح في القبو… لكن المفتاح الكودي للصندوق لم يكن يعلمه أحد غيره.”

في تلك اللحظة، فتحتُ حقيبة يدي وسحبتُ منها السلسلة الذهبية القديمة التي أخذتها من يد فيكتور بعد وفاته في المستشفى مباشرة. كان يرتديها طوال حياته، وفي نهايتها مشبك صغير صلب يحمل أرقامًا محفورة بدقة متناهية.

قلتُ بنبرة حازمة استجمعتُ فيها كل قوتي المتبقية:

“المفتاح معي… لكننا نحتاج إلى حل دائم قبل أن تنتهي الأشهر الثلاثة.”

التقطتُ زجاجتي الفارغة من على المكتب ووضعتها في حقيبتي، ثم استدرتُ نحو الباب.

سألتني إيمي وهي تهرول خلفي:

“إلى أين نحن ذاهبتان يا أمي؟”

التفتُّ إليها عند العتبة، ونظرتُ إلى الدكتور هاريس الذي وقف يراقبنا بذهول، ثم قلت:

“سنعود إلى المنزل لنفتح القبو ونأخذ الجرعة الأولى… ثم سنبحث عن الشخص الذي كان يرسل الطرود لفيكتور قبل أن يتعرف على الدكتور هاريس. الرجل الذي كان يُوقع على الطرود باسم ‘الصديق القديم’.”

شحب وجه الدكتور هاريس فجأة، واندفع نحو الباب ليمنعنا من الخروج، وهو يقول بصوت متهدج:

“انتظري يا سيدة كارتر! أنتِ لا تعرفين من هو ذلك الشخص… فيكتور لم يقطع علاقته به إلا لأنه اكتشف الشروط المظلمة التي فرضها مقابل تلك المادة!”

وقفتُ مكاني، وثبتُّ نظري في عينيه وتساءلت:

“أي شروط؟”

اقترب الطبيب وهمس وهو ينظر حوله وكأن أحداً يتنصت علينا في المعمل المغلق:

“المركب لم يُخترع لإنقاذكِ أنتِ فقط… فيكتور لم يكن المريض الوحيد، وأنتِ لم تكوني التجربة الوحيدة!”

تراجعتُ خطوة إلى الخلف، وضغطت إيمي على ذراعي بشدة حتى شعرتُ بأظافرها تغوص في جلدي.

قال الدكتور هاريس ونبرته تزداد انخفاضًا وحشرجة:

“قبل أن يلجأ إليّ فيكتور لإنتاج المركب بطريقة شبه قانونية تحت غطاء شركة التأمين، كان يحصل على المادة من مختبر غير مرخص في المكسيك، يديره طبيب أعصاب سُحبت رخصته منذ تسعينيات القرن الماضي يُدعى ‘الدكتور أوريون’. فيكتور لم يكن يشتري العلاج بالمال فقط يا سيدة كارتر… بل كان يدفع المقابل من خلال تقديم تقارير دورية ودقيقة عن تحاليل دمكِ، وتأثير المركب على أجهزتكِ الحيوية طوال تلك السنوات.”

سرت برودة قاسية في أطراف أذني، وأحسست بغثيان مفاجئ يداهم معدتي.

سألته بصوت مبحوح:

“يعني أنني… كنت مجرد حقل تجارب لرجل مجنون طوال خمسة وثلاثين عامًا؟ وزوجي كان يعلم ذلك؟”

أجاب الطبيب مسرعًا وهو يلوح بيده معترضًا:

“لا! فيكتور كان مستعدًا للتعامل مع الشيطان نفسه كي يضمن بقاءكِ على قيد الحياة! عندما علم أن أوريون يستخدم بياناتكِ لتطوير سلاح بيولوجي أو عقار يُباع في السوق السوداء للتحكم في ضغط الدم وضبط الوظائف الحيوية للمستهدفين، قطع علاقته به فورًا ولجأ إليّ. ولكن…”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى