
توقف الطبيب عن الحديث وساد الصمت، بينما ارتفع صوت طنين أذني ليصبح كصوت صفير قطار متدفق.
سألته إيمي بنفاذ صبر وصراخ مكتوم:
“ولكن ماذا؟ اكمل!”
تطلع الدكتور هاريس إلى نافذة الغرفة المغلقة، ثم قال:
“ولكن أوريون لم يترك فيكتور وشأنه. الطرود التي كانت تصل بالبريد كل شهر… لم تكن كلها مني! أوريون كان يرسل طرودًا مماثلة تحمل نفس المادة لكن بتركيزات مختلفة ومعدلة جينيًا، وكان يهدد فيكتور بقطع المادة الخام الرئيسية عن معملنا إذا لم يقم فيكتور بإعطائكِ إياها واختبارها عليكِ!”
امتدت يدي فورًا إلى المائدة لتسندني. تذكرتُ الليالي التي كان فيكتور يعود فيها من القبو بزجاجة مختلفة في الشكل أحيانًا، وتذكرتُ اضطرابه الشديد، ورعشة يديه وهو يصب السائل الكثيف ويصر على أن أشربه أمام عينيه.
لم يكن فقط يحاول إنقاذي… بل كان يخوض حربًا قذرة في الخفاء ليدفع عني خطرًا لا علم لي به، مقيدًا بين أن يطعمني العلاج أو يتركني للموت.
قلتُ والدوار يزداد شدة في رأسي:
“إذن الزجاجات الموجودة في الصندوق المصفح بالقبو… هل هي العلاج الصافي أم المواد التجريبية التي أرسلها أوريون؟”
رد الدكتور هاريس وعيناه تتسعان بهلع حقيقي:
“هذا ما لا أعرفه! وفيكتور هو الوحيد الذي كان يميز بينهما بعلامات خاصة لم يخبر بها أحدًا. إذا أخذتِ الجرعة الخاطئة من الصندوق، فإنها لن تبطل الطفرة الجينية فحسب… بل قد تسبب لكِ توقفًا مفاجئًا في عضلة القلب في غضون دقائق!”
في تلك اللحظة بالذات، انطفأت أضواء غرفة المعمل فجأة، وحل الظلام الدامس.
صرخت إيمي، وصدر صوت تحطم زجاج قوي من النافذة الخلفية للغرفة.
أمكستُ بيد إيمي في العتمة، وسحبتها نحو الباب الذي كان مغلقًا بالمفتاح، بينما سمعنا صوت الدكتور هاريس يصرخ في الظلام وهو يُسحب إلى الخلف بقوة جارفة:
“اهربا يا سيدة كارتر! إنهم يعلمون أن فيكتور مات… إنهم يريدون الصندوق المصفح!”
سحبْتُ إيمي بقوة في الظلام الدامس، وتلمستُ مقبض الباب بكف يرتجف، بينما كانت أصوات الصراع وتحطم المقاعد ترتاد الغرفة الخلفية لـ الدكتور هاريس. صرخ الطبيب مرة أخيرة بصوت مكتوم كأن أحداً يكتك حنجرته: “القبو… العلامة على القاع!” ثم انقطع صوته تمامًا وحلّ صمت مرعب.
أدرتُ المفتاح بسرعة وسحبتُ إيمي إلى الرواق الخارجي للمعمل. كانت الممرات خالية ومظلمة، وأصوات خطوات ثقيلة تقترب من داخل الغرفة التي خرجنا منها. لم نتوقف للتفكير، اندفعنا نحو الباب الخلفي للمبنى وخارجًا إلى الشارع الفسيح حيث كان المطر يمتلئ بالبرودة.
ركبنا سيارة إيمي وانطلقت بأقصى سرعة ممكنة. كانت يداها على عجلة القيادة ترتجفان بشكل هستيري، بينما كان طنين أذني يزداد قوة، وفتحتُ زجاج السيارة لأستنشق الهواء البارد لعل الدوار ينجلي عن رأسي.
قالت إيمي وهي تنتحب:
“أمي… ما الذي يحدث؟ من هؤلاء الناس؟ وماذا قصد الدكتور هاريس بالعلامة؟”
مسكتُ السلسلة الذهبية الخاصة بفيكتور المثبتة في حقيبتي وضغطتُ عليها بكفي وقلت:
“أبوكِ لم يترك شيئًا للصدفة يا إيمي. خمسة وثلاثون عامًا وهو يعيش في هذا الكابوس وحده… كان يحميني من مرض يقتلني، ويحميني في نفس الوقت من مجرم يبتزه. الآن جاء دورنا لنعرف ماذا ترك في ذلك القبو.”
وصلنا إلى المنزل في منتصف الليل. كان البيت ساكنًا ومظلمًا كالمقبرة، مطبخنا الساكن الذي شهد طقس التاسعة مساءً طوال عقود بدا الآن كساحة معركة مخفية.
نزلنا السلالم الخشبية المؤدية إلى القبو. كانت رائحة الرطوبة والغبار تملأ المكان. في الزاوية المظلمة خلف أرفف المؤونة القديمة، كان الصندوق الفولاذي المصفح يقبع هناك، ثقيلًا ومقفلًا بلوحة أرقام رقمية.
أخرجتُ المشبك المعدني الملحق بسلسلة فيكتور. كانت الأرقام المحفورة عليه تتكون من ستة خانات: (090035).
أدخلتُ الأرقام بصوابع مرتجفة: 0-9-0-0 (الساعة التاسعة)، ثم 35 (سنوات زواجنا).
سمعنا صوت طقة ميكانيكية قوية، وانفرج باب الصندوق الثقيل.
في الداخل، كانت هناك اثنتا عشرة زجاجة زجاجية داكنة مرتبة بعناية داخل إسفنج مقوى. جميعها بلا ملصقات، وجميعها تحتوي على السائل الداكن نفسه الذي كنتُ أشربه كل ليلة.
سقطت إيمي على ركبتيها بجانب الصندوق وقالت بذعر:
“كلها متشابهة يا أمي! كيف سنعرف أي منها هو العلاج النقية وأيها المركب التجريبي السام الذي أرسله ذلك الطبيب المجنون؟”
تذكرتُ كلمات الدكتور هاريس الأخيرة قبل أن يُسحب في الظلام: “العلامة على القاع!”.




