روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

وقفت حنين تجاهه، ونظرت إلى وجهه الشاحب، ثم إلى أمه التي تنتحب على السلم، ثم إلى الجيران المحتشدين عند الباب ينظرون لمدحت بنظرات الخزي والشماتة.

لم تشعر حنين برغبة في الانتقام الأعمى، بل شعرت بعزة نفس هائلة وراحة أثلجت صدرها؛ لأنها أخذت حقها بالقانون والكرامة ولم تسلم نفسها للكسرة.

مقالات ذات صلة

ابتسمت حنين ابتسامة هادئة جافة، وقالت للضابط:

ـ “يا فندم.. أنا هتنازل عن بلاغ الاعتداء الشخصي حالاً عشان ما أضيعش وقت النيابة، لكن بشرط واحد يكتب رسمياً في محضر رسمي في القسم…”

نظر إليها الضابط ومدحت بلهفة، فتابعت حنين بصوت كالصلب:

ـ “يتم إثبات حالة الإتلاف، ويتعهد رسمياً بدفع كافة مستحقاتي المالية ومؤخر الصداق وقيمة التلفيات كاش خلال 24 ساعة، مع توقيع إقرار بالتنازل عن حصته في الشقة للبيع لأي طرف ثالث وتوزيع الثمن، وطلاقي رسمياً للضرر عند المأذون بكرة الصبح!”

ثم التفتت لمدحت وأضافت بكلمة واحدة أجهزت على ما تبقى من كبريائه:

ـ “ده الأمر الواقع بتاعي يا مدحت.. يا توفق عليه وأنت ساكت في القسم دلوقتي.. يا تخش التخشيبة وتتحبس بتهمة إتلاف الممتلكات والتبديد.. اختار بنفسك!”

ساد الصمت الشديد، ونظر مدحت للضابط الذي هز رأسه بجمود كأنه يقول له “القرار لك”. بلع مدحت ريقه المر، ونكس رأسه إلى الأسفل في خزي لا يُمحى، وقال بصوت خافت لا يكاد يُسمع:

ـ “موافق…”

أمسك الضابط بذراعه وقاده نحو الخروج، بينما مشت حنين بظهر مرفوع وخطوات ثابتة وسط احترام الجميع، تاركة خلفها بيتاً انهار بظلم أهله، ومستقبلة فصلاً جديداً من حياتها لا مكان فيه للضعف أو الخديعة.

في اليوم التالي، كان شمس الصباح تشرق باردة وجافة فوق مكتب المأذون الشرعي في قلب المنطقة. لم يكن هناك صخب، ولا زغاريد، ولا وعود زائفة؛ بل طاولتان متقابلتان، وأوراق رسمية تنتظر الحبر الأخير ليُسدل الستار على حكاية بُنيت على الخديعة وانهارت بالكرامة.

جلس مدحت عند طرف الطاولة، يحيطه الخزي وشحوب لم تفارقه آثار ليلة كاملة قضاها في القسم يتوسل ويوقع التعهدات والالتزامات المالية. كانت يداه ترتجفان وهو يمسك بقلم الحبر الجاف، وعيناه مكسورتان لا تستطيعان ارتفاع النظر في الوجوه. بجانبه جلست والدته، حاسرة الرأس نادمة، انحنى ظهرها وكأنها حملت أوزار السنين في بضعة أيام، تجلس صامتة والدموع تتجمّع في تجاعيد وجهها دون أن تجرؤ على التفوه بكلمة واحدة.

وعلى الجانب الآخر، كانت تقف “حنين” بكل كبرياء وشموخ. لم تلبس الأسود كما يُتوقع من امرأة تُطلق، بل ارتدت ثوباً أنيقاً أبيض يميل للرمادي، ينضح بالنقاء والقوة. كان شقيقها “حمزة” يقف خلفها كالسد المنيع، يحمل في يده الملف الجلدي الذي يُثبت استلام حنين لكامل مستحقاتها المالية ومؤخر صداقها وقيمة التلفيات والشيك المقبول الدفع بنصيبها في الشقة، وذلك بعد أن اضطر مدحت للاقتراض وبيع شبكته الجديدة والسيارة ليسدد ما عليه قبل أن تُفتح له أبواب السجن.

نظر المأذون في الأوراق، ثم رفع نظارته وتطلع إلى الطرفين:

ـ “يا ابني.. يا مدحت، ويا بنتي.. يا حنين.. أخير مفيش مجال للصلح أو المراجعة؟”

قبل أن ينبس مدحت بكلمة، ردت حنين بصوت هادئ، صافٍ، يخلو تماماً من الغضب أو الانتقام، بل صوت امرأة استردت حريتها وذاتها:

ـ “يا شيخنا.. الصلح بيكون لما يكون فيه أصل يُبنى عليه.. لكن لما البيت يتبنى على الخيانة والتدليس واستغلال اسم الأمومة والمرض للغدر، يبقى الفراق بشرع الله هو الأرحم والأكرم للجميع.”

سكت المأذون هز رأسه باحترام وتفهم، ثم وضع وثيقة الطلاق البائن للضرر أمام مدحت وقال بجمود:

ـ “وقع هنا يا أستاذ مدحت.. وهنا.”

أخذ مدحت القلم، وتردد لثوانٍ، ثم نظر إلى حنين بنظرة ختامية مليئة بالانكسار والرجاء الميت:

ـ “حنين.. أنا عارف إني غلطت في حقك.. وعارف إني خسرتك وخسرت كل حاجة.. بس والله أنا اتبهدلت، والعروسة الثانية وأهلها لما عرفوا بالفضيحة والمحكمه فسخوا الخطوبة وأخدوا الشروط الجزائية، والشقة اتجمّعت وبقيت مديون ومش حيلتي حاجة.. سامحيني يا حنين.. سامحي أمي، دي ست كبيرة ومتحملتش اللي حصل.”

التفتت حنين ونظرت إليه وإلى والدته الباكية عند الباب. لم تتجهم، ولم تسبّ، بل ابتسمت ابتسامة هادئة جافة، وقالت بكلمات صيغت من ذهب وكرامة:

ـ “أنا مش حاقدة عليك يا مدحت، ولا حتى على أُمك.. المسامحة دي بينك وبين ربنا اللي استغليت المرض والافتراء باسمه عشان تظلمني.. أنا كل اللي عملته إني رفضت أكون الضحية المكسورة اللي بتسلم رقبتها للأمر الواقع الرخيص اللي أنت فرضته.. أنت اللي اخترت تفصّل حياتك بالخديعة، وده محصول اللي زرعته بإيدك.. حلال عليك شقتك وذكرياتك الخاوية، وأنا طالعة من التجربة دي بكرامتي وبحقي كاملاً، وده أغلى من أي بيت.”

انحنى مدحت ووقع الوثيقة بقلب يقطر دماً، ثم مد المأذون الورقة لحنين لتوقع حضورها واستلام نسختها. أخذت حنين القلم، ووقعت بخط واضح وجميل: “حنين…”.

استلمت حنين وثيقتها، ووضعتها في حقيبتها بعناية. التفتت إلى شقيقها حمزة الذي ابتسم لها بخر وفخر، وشدّ على يدها بحنان.

قبل أن تخرج من باب المكتب، التفتت حنين للمرة الأخيرة ونظرت إلى مدحت وأمه الصامتين في ظلمات ندمهما، وقالت بصوت ثاقب يُسمع في أعماق الروح:

ـ “الدنيا دوارة يا مدحت.. واللي يكسر خاطر صاينه، ييجي اليوم اللي ينكسر فيه قدام اللي باعه.. السلام عليكم.”

خرجت حنين من باب المكتب، ووطأت قدمها أرض الشارع. استنشقت هواء الصباح النقاط بعمق، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بأن رتيها تتنفّسان الحرية الكاملة. لم تكن الشنطة الصغيرة التي خرجت بها من شقتها قبل أيام نهاية المطاف، بل كانت أول خطوة في طريق جديد؛ طريق تصنعه بكرامتها وقوتها، دون أن تسمح لأحد في هذا العالم بأن يفرض عليها أمراً واقعاً يكسر إنسانيتها.

تلاقت عيناها مع راية الشمس المشرقة، وابتسمت بثقة، ومشت بخطوات ثابتة نحو الغد الذي تنتظره… وتغلق خلفها أبواب الماضي للأبد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى