روايات وقصص

حكايات زهره 1

“المفتاح ده لـ عربية (بورش) أحدث موديل واقفة تحت البيت.. والبطاقة دي تثبت إن اسمي الحقيقي مش ‘حسن’ زي ما كنتوا بتنادوني، اسمي حسن الهواري، رجل الأعمال وowner شركة (الهواري للاستيراد والتصدير) اللي بتملوا السوق كله بمنتجاتها!”
الصالة كلها اتجملت بالصمت التام.. كأن طلقة رصاص نزلت وسطنا. هدير اتجمدت مكانها وابتسامة السخرية لسه على شفايفها، وعنيها برقت بصدمة مش مصدقة اللي ودنها سمعته.
كمل حسن كلامه وهو بيبص لأمي بكل احترام، وبص لي بنظرة كلها تقدير، وقال:

“أنا كنت نازل في شارعكم، وعامل المنظر ده، وعايش الدور.. مش عشان أنا فقير.. العكس، أنا كنت بدور على بنت حلال أصيلة، تشيلني في الشدة وتصون بيتي، مش واحدة تبص للمظاهر والفلوس والمنظر قدام الناس. لفيت كتير وشوفت بنات شكل بس من جوه فاضيين، لحد ما نزلت الشارع ده وكنت راقبكم فترة.. شوفت نبيلة وهي راجعة تعبانة من الشغل، شايلة هم أبوها المريض، وبتديني الصدقة بكل طيبة وذوق من غير ما تجرحني ولا تبص لي بنظرة استعلاء زي ما غيرها كان بيعمل.. لقيت فيها جوهرة مفقودة، فقررت أنزل أختبرها في أرض الواقع وأشوف مين اللي هتصون ومين اللي هتتريق!”
هدير لطمت خدودها بإيديها الاثنين، وطلعت صرخات مكتومة من صدرها، وقالت بصوت مرتعش:

“لا.. مستحيل! أنت كذاب! إزاي.. إزاي ده يحصل؟! نبيلة تتجوز مليونير وأنا اللي كل الشباب كانوا بيتمنوا رضاي أترفض؟!”
وقعت هدير من طولها على الأرض من شدة الصدمة والهستيريا، وأمي جريت عليها وهي مندهشة ومش مصدقة اللي بيحصل قدام عينيها، كأنه حلم مستحيل اتحقق فجأة.
قرب مني حسن، وابتسم وقال بصوت حنون دافئ سمعته لوحدي:

“مبروك يا ست الكل.. تعب السنين كله خلص النهاردة، وجاي أخدك لبيتي وملكك، تعيشي ملكة زي ما تستحقي.”
رفعت عيني ليه، ودموع الفرح نزلت غصب عني، وأول مرة في حياتي أحس إن الدنيا ضحكتلي بجد، وإن الصبر عمره ما ضاع، وإن ربنا عوضني بكل خير عن كل ليلة بات فيها قلبي مجروح.
ساعات قليلة بعد ما الصدمة هزت البيت كله، وهدير كانت قاعدة في أوضتها مرمية على السرير، عينيها ورمت من كتر العياط والنحيب، ومش قادرة تستوعب إن نبيلة، أختها اللي كانت بتتريق عليها طول السنين دي، بقت زوجة لمليونير صاحب شركات وملايين، في حين إنها هي اللي كل الشباب كانوا بيتمنوا رضاها بقت لوحدها وكسيرة الكبرياء.
أما أمي، فكانت قاعدة جنبي على الكنبة، دموع الفرح نازلة على خدودها، ومش مصدقة إن ربنا كافح صبرنا ووضح الحق في النهاية. حسن جه وطلب مننا نتحرك فوراً للقصر بتاعه، وقال بصوت حنون:

“يلا يا نبيلة.. جهزي حاجتك، حياتنا الجديدة بتبدأ من اللحظة دي، وعمره ما هيبقى هيبقى فيه يوم تعب تاني بعد النهارده.”
سلمت على أمي بحضن دافئ وهي بتوصيني وبتقولي تدعي لأبويا، وفعلاً ركبت مع حسن في عربية البورش الفارهة، وتحركنا في طريقنا لحي من أرقى أحياء القاهرة، حيث القصر الكبير اللي كان هيفتح بابه عشان يدخلني ملكة مش مجرد زوجة.
أول ما وصلنا، القصر كان تحفة فنية، الحرس والخدم استقبلونا باحترام بالغ، وحسن دخلني من الباب وهو ماسك إيدي بكل حب واهتمام. دخلت الأوضة الواسعة المجهزة بكل رفاهية، وحسيت كأن كل سنين التعب والشقا والسهر جنب ماكينة الخياطة طارت في ثواني واتصفت.
بس الجو الهادئ ده مكملش كتير، لأن التانيين مبيسكتوش على حالهم!
بعد تلات أيام بس، سمعنا خبط جامد على بوابة القصر، والخدم جم يستأذنوا حسن ويقولوا إن فيه ناس واقفة بره وعاوزين يدخلوا ضروري، وإنهم بيقولوا إنهم أهل المدام. حسن استغرب، وطلب منهم يدخلوهم للصالون الكبير.
لما نزلت مع حسن عشان نشوف مين، اتفاجئت إنهم هدير وأمي!
أمي كانت مكسوفة ومش قادرة ترفع عينيها في وشي من الخجل، لكن هدير كانت متزوقة ومتبهدلة في نفس الوقت من كتر العياط، وأول ما شافتني جاية مع حسن، جريت نحونا بسرعة وقالت بنبرة مهزوزة كلها طمع وتذلل:

“نبيلة! حبيبتي.. أختي الغالية! أنا جيت أطمن عليكِ.. مش تصدقي أنا كنت بضحك بس هزار والله، مكنش قصدي أجرحك.. حقك عليا يا بنتي، إحنا أخوات برضه والدم مبيصيرش ميه!”
بصتلها بسكوت تام، ولقيت حسن بيتقدم بخطوات ثابتة وثقيلة، وبيقابله بابتسامة سخرية واضحة، وقالها بصوت صارم:

“أهلاً بكي يا هانم.. الجروب بتاع الكاتبات والناشرين وبتاع المظاهر والغرور جاب آخره؟ جاية دلوقتي تفتكري إنها أختكِ بعد ما ضحكتي عليها وهي مكسورة؟”
هدير اتدبست في كلامها، ووجهها اصفر، وقالت وهي بتبصلي بدموع تماسيح:

“نبيلة.. بالله عليكِ كلميه.. أنا أختكِ من أبوكِ، والبيت هناك من غيرك بقى وحش أوي، وأمي تعبانة، ومحتاجين مساعدتكم.. حسن باشا أنت راجل كريم وخيرك يملى البلد، اكيد مش هتسيبنا كده!”
أمي قربت وهي مكسورة الخاطر وقالت بصوت واطي:

“سيبك منها يا نبيلة، أنا جيت غصب عني عشان هي هبلتني طول السلك اللي فات ده.. سامحيني يا بنتي.”
حسن بصلي كأنه بيسألني عن قراري، فتنحنحت وقولت بصوت قوي لأول مرة في حياتي أحس إنه طالع من عمق قلبي:

“أنا سمحتك يا أمي من زمان، وقلبي عمره ما هيشيل منك حاجة.. أما إنتي يا هدير، فالجزاء من جنس العمل، طول عمرك بتعيريني بالفقر وبالمظاهر، ودلوقتي جيا تدوري على الفلوس والمظاهر عندي؟ البيت اللي هناك ده أبوكي فيه، وتقدري تعيشي فيه زيك زي زمان، لكن القصر ده مش لأمثالك.. الباب يفوت جمل.”
هدير صرخت وقعدت تخبط على صدرها من القهر والهستيريا، والخدم شالوها هي وأمي وطلعوها بره بوابة القصر بهدوء تام.
بصيت لحسن اللي كان واقف مبتسم، ومد إيده وضمنا بحنان وقال:

“يلا بينا نبدأ صفحة جديدة خالص.. ولا أقولك؟ تعالي أفسحك في أحسن مكان في مصر عشان تنسي كل جرح قديم.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى