روايات وقصص

حكايات اسما 3

أخذت الحقيبة منه ويدي ترتجف، وجلست على أول درجة سلم مجاورة بينما فتحها الطبيب العجوز ببطء شديد. بدا بداخله مجلد ضخم وسميك، يحمل عنوانًا كُتب بخط يدها وبأحرف بارزة:

“مذكرات طبيب المستقبل: كيف نعيد صنع الأمل؟”

فتحت المجلد، فإذا به يحتوي على أبحاث طبية دقيقة وملاحظات سريرية استثنائية حول نوع المرض النادر الذي أصابها، مدونة بخط يدها الدقيق، ومعها دراسات متكاملة حول طرق علاجه وتحسين جودة حياة المرضى الذين يعانون منه، لتكون بمثابة مرجع طبي متكامل يهدي أي طبيب يسعى لإنقاذ أرواح أخرى من نفس المصير.

وفي الصفحة الأولى من المجلد، كانت توجد رسالة أخيرة موجهة لي خصيصًا:

“يا دكتور.. لم أكن مجرد مريضة دخلت حياتك ليومين، بل كنت باحثة صغيرة وجدت فيك العالم الذي سيحمل علمي ويكمله. هذه الأبحاث هي ثمرة آلامي، وهددي لك ولأطفال دار بسمة ولكل مريض سيمر من تحت يديك. لا تترك قلمك، ولا تتوقف عن الابتسام، فبهما ستصنع المعجزات.”

رفعت عيني إلى مدير المستشفى، ووجدت دموعه تنحدر في صمت، بينما أومأ لي برأسه في تقدير بالغ. أغلقت الحقيبة بإحكام، ووقفت بصلابة جديدة، وقد أدركت أن رحلتي معها لم تكن نهاية، بل كانت البداية الحقيقية لرسالة أقدس.

شكرت المدير العجوز، واستدرت لأغادر المبنى متجهاً نحو سيارتي. وما إن فتحت باب السيارة وجلست خلف المقود، حتى تفاجأت بشيء أخير ومذهل تمامًا وُضع على المقعد المجاور…

جلست خلف مقود السيارة، وبصري مُسمّر على الشيء الموضوع بوضوح على المقعد المجاور. لم يكن صندوقًا، ولا مظروفًا، ولا حقيبة طبية، بل كان هاتفها المحمول القديم، الشاشة تضيء ببطء شديد، ويعلوها إشعار واحد يتحرك ببطء: مقطع فيديو مسجل بصوتها وضحكتها الحية.

مددت يدي ببطء، وفتحت الشاشة، وضغطت على زر التشغيل.

ملأ صوتها الدافئ أرجاء السيارة المظلمة، صوتها النقي الذي طالما ملأ أروقة المستشفى بهجة وحياة. ظهرت على الشاشة وهي جالسة على سريرها الأبيض، ترتدي رداء المستشفى، لكنها كانت تبتسم بكامل وجهها وعينيها تلمعان ببريق الحياة والفرح.

قالت في الفيديو بصوتها العذب:

— لو وصلك الفيديو ده يا دكتور، فده معناه إنك خلصت الرحلة، وقرأت كل رسائلي، وفتحت كل صناديقي، ووصلت للرسالة الحقيقية من وراء وجودي في حياتك.

توقفت لحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وابتسمت ابتسامة أعمق وأكملت:

— أنا عارفة إن الوجع كبير، وإن الفراق صعب، بس أبوس إيدك.. ما تخلbasش الحزن يطغى على النور اللي جوّاك. أنا دخلت حياتك لمدة يومين بالعدد، بس في اليومين دول حسيت إني عشت عمر بحاله جنبك. شكراً لأنك حققت لي حلمي البسيط، وشكراً لأنك خليتني أحس إني عروسة الدنيا، وشكراً لأنك كنت الراجل اللي استندت عليه وأنا بودع العالم ده.

انهمرت دموعي بغزارة هذه المرة، لكن ابتسامة خفيفة ودافئة رسمت نفسها على شفتي، وكأنها واقفة أمامي الآن تمامًا.

تابعت هي في الفيديو بصوت يغمره الحنان:

— الوصية الأخيرة والأبدية ليك يا دكتور.. ما تبطلش تضحك، وما تبطلش تداوي الناس، وخلي “دار بسمة” مليانة ضحك ولعب زي ما كنت بتحلم دايماً. ودلوقتي.. ابتسم، واطلع للأفق، وافتح باب عربيتك.. لأن حياتك الحقيقية بتبدأ دلوقتي.

انتهى الفيديو، وانطفأت الشاشة تدريجياً، تاركةً انعكاس وجهي الهادئ والمطمئن على زجاج الهاتف.

أخذت نفساً عميقاً، وأغلقت الهاتف، ووضعته في جبي بجوار المفتاح القديم وعقد الدار. التفتُّ نظري من نافذة السيارة، فبدأت خيوط الفجر الأولى تشق عتمة الليل الطويل، معلنةً ميلاد يوم جديد، ونورًا جديدًا يضيء طريقي.

درت بمفتاح السيارة، وانطلقت نحو قدري الجديد، وقلبي عامر بحب لا يموت، ورسالة لا تنتهي.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى