
“ده إنذار رسمي بالطرد من الشقة بصفتي المالك، ومظروف تاني فيه رفع دعوى باسترداد كافة المبالغ اللي أنا دفعتها في تجهيز الشقة وشراء العفش بالكامل بالواتس والفواتير الموثقة باسمي.. ومادام محمود مش قادر يصرف، أنا طلبت رسمياً نفقة أولاد وأجر مسكن عن طريق المحكمة.”
فاطمة اتسمرت مكانها، عينيها وسعت من الصدمة، والورق قدامها زي الشبح.
مروة قرّبت منها خطوات صغيرة وقالت بابتسامة غامضة:
“المرادي يا حاجة.. اللعب مش هيبقى كلام وسوالف مع أم أحمد.. اللعب بقى بالقانون، ونشوف مين اللي هيضحك في الآخر!”
فاطمة اتراجعت خطوة لورا وهي بتترعش، الورق الأصفر في إيدها بيلهلب زي النار. بصلت لـ مروة بذهول ومش قادرة تستوعب إن الموظفة الهادية الشيك اللي كانت بتعدي من قدامها وتوطي راسها احتراماً، هي نفسها اللي واقفة قدامها دلوقتي بكل الجبروت والثبات ده.
“إنتِ بتهدديني يا مروة؟ بتهددي فاطمة في بيت ابنها؟”
صوت فاطمة طلع مكسور ومخنوق، الهيبة اللي كانت بتتصنعها قدام جاراتها اتفرتكت في لحظة قدام حقيقة العقد والأوراق الرسمية.
مروة ابتسمت ببرود، وقعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل:
“أنا مبهددش يا حاجة.. أنا بتعامل بالمنطق اللي حضرتك ومحمود فرضتوه عليا. امبارح كنت حيزبونة وبأكل عيالي من فلوس حرام وبخبي على جوزي، والنهاردة لما أطالب بحقي وبفلوسي بقيت بتهددكم؟ القانون مابيعرفش الطيبة، بيعرف الورق.. وحضرتك عارفة كويس إن كل قرش دخل البيت ده مترخ بجهدي وشقايا.”
في اللحظة دي، دخل محمود الشقة. كان شكله يقطع القلب، هدومه متبهدلة من شغل المعمل، وش وشه شاحب، وفي إيده كيس أسود صغير فيه شوية طلبات بسيطة جابهم بالعافية بالباقي اللي معاه. أول ما شاف أمه واقفة بتعيط والورق في إيدها ومروة قاعد بكل هدوء، الكيس وقع من إيده على الأرض.
“في إيه؟ جرى إيه تاني يا أمي؟” محمود جرى على أمه وشد الورق من إيدها وهو بيبص فيه بذهول.
فاطمة اتعكازت على كتف محمود وبدأت تبكي بدوموع استعطاف:
“شفت يا محمود؟ شفت مراتك المصونة؟ طالبت بطردنا من ، ورفعت عليك قضية نفقة وقايمة! بتفضحنا قدام المحاكم عشان خاطر أصلها وقرشينها اللي بتستعلى بيهم علينا!”
محمود قرأ الورق، عينيه كانت بتتنقل بين السطور والدموع حبست في عينيه. بص لـ مروة بنظرة انكسار حقيقية، مكنش فيها غضب ولا شرار زي الأول، كان فيها رجاء رجل حاسس إن بيته بينهار وثمن كبريائه كان غالي قوي.
“توصل للمحاكم يا مروة؟ توصل إنك ترفعي عليا قضية نفقة وطرد وأنا جوزك وأبو عيالك؟ كل ده عشان طلعتي أهلك عمرة وأنا اتكلمت؟”
مروة وقفت، وبصلته بعيون حادة لكن فيها وجع مكتوم:
“لا يا محمود.. مش عشان العمرة. العمرة دي كانت مجرد القشة اللي كشفتلي مكاني عندك. القصة مش قصّة فلوس، القصة إنك سمحت لأمك وللناس يطعنوا في ذمتي وفي أهلي، ونسيت كل سنة شلتك فيها على راسي ووفّرت معاك القرش على القرش. إنت اللي بعت العيش والملح الأول لما جيت تتهمني وتصرخ في وشي وتخايرني بين كرامتي وبين بيتي.. وأنا اخترت كرامتي.”
محمود مسح وشه بـ إيديه الاثنين، وقعد على أقرب كرسي وهو بيهز راسه:
“أنا غلطت.. ماشي يا مروة، أنا اعتديت وكبريائي عماني، وأمي كانت فاهمة الموضوع غلط. بس المحاكم والورق ده معناه إننا بنهد البيت خلاص! العيال ذنبهم إيه؟”
فاطمة لما لقت ابنها بيلين وبيقر بغلطه، اتجننت وقاطعت محمود بصوت عالي:
“بتتأسف لها يا محمود؟ بتوطي راسك لمراتك قدامي؟ دي لو سكتلها النهاردة بكرة هتركبك وترميك بره فعلياً! مسيرها ترجع لما تلاقي محدش سالك فيها!”
مروة لفت لـ فاطمة وقالت بكلمات قاطعة زي السيف:
“حضرتك لسه مقتنعة إنك صح؟ لسه فاكرة إن الصراع ده هيخلص بأن محمود يكسرني؟ يا حاجة فاطمة، ابنك لو ما استوعبش إن البيت ده اتقام على كتفي وكتفه بالعدل والاحترام، يبقى البيت ده ما يستاهلش يكمل. المحكمة مش تهديد، المحكمة خطوة إجرائية حسمت بيها كل حاجة.”
ثم وجهت كلامها لـ محمود بصرامة:
“قدامك أسبوع يا محمود.. يا إما تصلح اللي اتكسر، وتوقف كل حد عند حده وتعرف إن حياتنا الخاصة مقفول عليها بابنا، يا إما الورق ده هيمشي في مجراه الرسمي.. وساعتها مش هيكون في خط رجعة أبداً.”
سابتهم مروة ودخلت أوضة العيال وقفت الباب، وسابت محمود قاعد في الصالة، صامته، بين نار أمه اللي لسه بتوز فيه وتعاتبه على ضعفه، وبين حقيقة إن مراته وقفت على أرض صلبة ومستعدة لتدمير كل حاجة لو كرامتها اتمست تاني.
#الكاتب_رومانى__مكرم__




