Uncategorized

حكايات اسما السيد 2

جوزي كتم الصوت في التليفون وهو ماسكه بإيد بتترعش، وبص لمدير الجمعية وللأب اللي كان قاعد بثقة مزيفة، وقال بصوت حاد ومسموع للكل:

— الأستاذة اللي بتتكلم في التليفون دلوقتي هي خالة الولاد.. وبتقول إن كل الورق اللي حاطه الأستاذ قدامكم ده ورق مزور، وإن شهادات العلاج في الخارج دي ملعوب فيها!

في ثانية واحدة، جو الشد والوتر في المكتب اتغير تمامًا. الأب أتعصب وشه احمر بالكامل، وقام وقف فجأة وهو بيخبط على المكتب بإيده ويزعق:

— كدب! كدب وست افتراء! الست دي هي اللي سرقت فلوس أختها المرحومة ورمت الولاد في الشارع عشان تتخلص منهم لما أنا غبت! جاية دلوقتي تتكلم لما شافتني بصلح غلطتي؟!

المحامية بتاعته حاولت تهديه وتمسكه من ذراعه، بس التوتر كان باين في عينيها هي كمان.

مدير الجمعية فتح السبيكر بناءً على طلب جوزي، وجاء صوت الخالة من التليفون، صوتها كان مليان غل وبكاء في نفس الوقت:

— يا سيادة المدير.. الراجل ده ماكانش بيتعالج ولا حاجة، الراجل ده كان محبوس في قضية نصب كبيرة وشيكات من غير رصيد خارج مصر! ولما خرج، جه يدور على الولاد مش عشان بيحبهم، ده عشان أمهم قبل ما تموت كانت كاتبة الشقة الكبيرة وأرض باسم ياسين وجنى، وهو ما يقدرش يبيع ولا يتصرف في أي حاجة غير لما يرجع حضانتهم ويبقى هو الوصي الشرعي عليهم!

ياسين أول ما سمع كلمة «الشقة والأرض»، عينيه وسعت بصدمة رهيبة، وصرخ بصوت زلزل الأوضة:

— أمي كملت كتبتها باسمنا؟! إنت كنت جاي تبيع اللي أمي سابتهولنا يا خاين؟! إنت مش جاي عشاننا.. إنت جاي عشان الفلوس!

الأب حاول يهجم على ياسين وهو بيصرخ: «اسكت إنت ما تفهمش حاجة!»، بس جوزي وقف في وشه ومنعه بقوة ودفعه لورا، والأخصائيين الاجتماعيين اتدخلوا وحجزوا بين الأب وياسين اللي كان أنفاسه متسارعة وجسمه كله بيرتعش من شدة الغضب والعياط.

مدير الجمعية خبط على المكتب بصوت عالي جدًا وقال بصرامة هزت المكان:

— بس! محدش ينطق كلمة واحدة هنا! الأستاذة اللي على التليفون تيجى فورًا بالورق والمستندات اللي معاها، والأنستي المحامية والأستاذ يتفضلوا يستنون برة المكتب لحد ما نفهم الحقيقة.. القضية دي كده دخلت في مسار جنائي وتزوير، وأنا هبلغ النيابة فورًا يراجعوا صحة المستندات دي!

الأب وبص لياسين بنظرة فيها تهديد وغل مكتوم، وقال وهو بيمشي مع محاميته:

— المشوار لسه طويل.. والورق معايا رسمي، ومش هسيب حق في ولادي ولا في أملاكهم!

خرج الأب ومحاميته، وبقت الأوضة فاضية إلا مننا.. أنا وجوزي وياسين وجنى اللي كانت متشبثة في حضني وبتبكي من الصوت العالي والزعاق.

قعدنا على الكراسي وإحنا بنحاول نلتقط أنفاسنا. ياسين حط رأسه بين إيديه وقعد يبكي بصوت قهري، صوت طفل شال هموم كبار وظلم من أقرب الناس ليه.

قربت منه وحضنته من كتفه، وقلت له بصوت ثابت يحاول يطمنه:

— ياسين.. اسمعني كويس، إحنا مش هنسمح له يلمس شعر منك ولا من جنى.. الفلوس، الشقة، الأرض، كل ده ما يهمناش في حاجة، إحنا اللي يهمنا إنكم تظلوا معانا وفي أمان.. إحنا مع بعض، والقانون مش هيقف مع ظالم ولا نصاب.

رفع ياسين رأسه وبصلي بدموع، وقال بصوت مكسور:

— أنا خايف يا طنط.. خايف المحكمة تصدقه وتديله الحضانية.. لو روحت معاه هيبيع كل حاجة ويدمرنا زي ما دمر أمي.. أنا مش عايزه، أنا عايز أعيش هنا معاكم.. أنا صدقت إن ربنا عوضنا بيكم، ليه الدنيا عايزة تبوظ كل حاجة تاني؟!

جوزي مسك إيده وقال له بكل قوة وجدية:

— مش هتبوظ يا ياسين.. أنا هعين أكبر محامي في القاهرة، ومش هنسيب الثغرة دي تعدي.. الراجل ده مش هياخدكم، ده وعد راجل.

بعد ساعتين، وصلت الخالة لمقر الجمعية، ومعاها ملف أوراق قديم. اتضح إن الأب فعلاً كان محبوس خارج مصر، وإن الشهادات الطبية الصادرة من المستشفى كانت مزورة عن طريق معارفه عشان يغطي على فترة السجن ويثبت إنه كان «فاقد الأهلية أو مريض» في الفترة اللي اتسحب فيها عقد الرعاية منه.

المدير أخد المستندات وطلب تحويل الملف بالكامل للنيابة العامة لإيقاف أي قرار بتمكين الأب من رؤية الأطفال أو استلامهم، لحد ما يتم التحقيق في التزوير.

خرجنا من الجمعية وإحنا حاسين إننا طالعين من معركة خسرنا فيها هدوءنا، بس كسبنا فيها القوة إننا نحارب عشان أولادنا.

رجوعنا الشقة ماكانش زي كل يوم. الجو كان مشحون، وبقينا نلتفت حوالينا في الشارع خايفين إن الراجل ده يتتبعنا أو يظهر لنا في أي لحظة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى