
جوزي غير أقفال باب الشقة فوراً، وأنا فضلت ملازمة الولاد في الأوضة، بحاول ألهي جنى بالألعاب وأهدي ياسين اللي بقى يقعد بالساعات قدام الشباك يراقب الشارع.
وبعد أسبوع كامل من التوتر والأعصاب المشدودة، وإحنا مستنيين قرار النيابة.. جه اليوم اللي كان فيه جلسة العرض المستعجلة أمام القاضي لتقرير مصير الحضانية الموقتة.
وقفنا في الممر الطويل بتاع المحكمة.. أنا وجوزي والولاد والمحامي بتاعنا من ناحية، والأب ومحاميته من الناحية الثانية.
الأب كان بيبص لياسين بنظرات غريبة.. مش نظرات أب مشتاق، لكن نظرات شخص حاسس إن كل خططه بتبوظ بسبب الولد ده.
دخلنا القاعة، والقاضي كان قاعد قدامه الملفات المليانة ورق وقضايا. ساد الصمت التام، وبدأ القاضي يقلب في الأوراق بالبطيء، وكل تقليبة صفحة كانت بتموتنا من الرعب.
وفجأة، رفع القاضي رأسه، وبص للأب، وبعدين بص لياسين، ونطق بالقرار المبدئي اللي خلى القاعة كلها تتكهرب…
عدّل القاضي نظارته، وبص في الأوراق بتركيز شديد، وساد صمت قاتل في القاعة.. محدش فينا كان قادر يتنفس.
رفع القاضي رأسه، ونظر باتجاه الأب بنظرة حادة، وقال بصوت جهوري هز أركان القاعة:
— بعد الاطلاع على المستندات المقدمة من النيابة العامة، والتي تُفيد بوجود شبهة تزوير في المحررات الرسمية المقدمة من المدّعي، وبناءً على التقرير الصادر بشأن القضية الجنائية المقيدة ضده خارج البلاد.. تقرر المحكمة وقف أي إجراءات خاصة بنقل الحضانية أو تمكين الرؤية مؤقتًا، وإحالة الأوراق بالكامل للنيابة العامة لاستكمال التحقيقات، مع استمرار تواجد الطفلين جنى وياسين تحت رعاية «العائلة الكافلة» لحين الفصل النهائي في الشق الجنائي.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه جبل انزاح من على صدري. مسكت إيد جوزي وضغطت عليها بكل قوتي وأنا بعيط من الفرحة، بينما ياسين غمّض عينيه وأخد نفس طويل وعميق كأنه كان محروم من الهوا بقاله أسبوع.
الأب اتجنن! قام من مكانه وهو بيزعق وبيخبط على الطاولة قدام المحامية بتاعته:
— يعني إيه؟! دول ولادي! أنا مش هسيبهم! إنتوا بتصدقوا كلام فارغ ورق كداب؟!
القاضي خبط بالشاكوش بقوة وقال بنبرة تحذيرية حاسمة:
— هدوء في القاعة! أي تجاوز آخر سيتم التحفظ عليك فورًا بتهمة إهانة الهيئة الموقرة! تفضلوا بالخروج.
خرجنا من القاعة بسرعة وإحنا حاسين بالنصر المبدئي، بس الأب كان واقف في الممر الخارجي للمحكمة، وعينيه مليانة غل وشر مش طبيعي. لما قربنا منه وهو محاط بالمحامين، بَصّ لياسين وقال بصوت واطي ومسموم ما سمعوش غيرنا:
— فاكر إنك كسبت يا ياسين؟ والنعمة ما هسيبكم تتهنوا بالفلوس ولا بالبيت.. ولو مش هاخدهم بالقانون، هاخدهم بطريقتي!
جوزي وقف في وشه وبص له بصرامة وقال:
— لو قربت خطوة واحدة من ولادنا، هتبات في السجن الليلة دي.. جرب كده وتشوف!
شدّينا الولاد ومشينا بسرعة على العربية، ورجعنا البيت. رغم قرار المحكمة اللي طمنا، بس تهديد الأب الأخير في الممر كان يرعب. الراجل ده مابقى بيفكرش بالعقل، وبقى حاسس إن كل حاجة بتضيع منه: الشقة والأرض اللي كان طمعان فيهم، ولاد اللي وقفوا في وشه، وحريته اللي بقت مهددة بالتزوير.
مرت أيام قليلة، وبدأنا نحاول نرجع حياتنا لطبيعتها. جوزي كان بياخد ياسين ويروحوا المدرسة ويجيبوه، وأنا مش بسيب جنى لحظة واحدة. الأمان بدأ يرجع تدريجيًا لعينين ياسين، ولأول مرة أشوفه بيفكر في مستقبله، وبيتكلم عن امتحانات الثانوية العامة وأحلامه إنه يدخل هندسة.
وفي يوم جمعة، الجو كان هادي جداً. جوزي نزل يصلي الجمعة في المسجد القريب من الشارع، وأنا كنت في المطبخ بجهز الغدا، وياسين وقاعد في الصالة بيلعب مع جنى وبيساعدها تلون ورقة الرسم.
وفجأة.. قطع الهدوء ده صوت سرينة إنذار الحريق في العمارة!
وبعدها بثواني معدودة، شميت ريحة دخان حاد جدًا طالع من تحت باب الشقة.. ريحة حريقة كبيرة!
جريت على الباب بصدمة عشان أفتحه وأشوف فيه إيه، بس لما مسكت أكرة الباب لقيتها سخنة مولعة ومستحيل تتلمس! ومفيش مفتاح راضي يلف.. الباب كان مقفول ومربوط من برة بحبل أو حديد، ورائحة البنزين بدأت تتسرب من تحت العقد والسفل!
ياسين جري عليا وهو مرعوب، والدخان بدأ يدخل بكثافة تحت الباب ويملى الصالة في ثواني.
صرخت بصوت عالي:
— الباب مقفول من برة! فيه حد رش بنزين وولع في مدخل الشقة!
جنى بدأت تعيط وتصرخ من الخوف والدخان، وياسين مسك إيدي وقال بهستيريا وهو بيحاول يفتح الباب بكتفه بس الحرارة كانت مرعبة:
— ده هو! ده أبيا! هو اللي عمل كده عشان يموتنا كلنا!
الدخان بقى يعمي العينين والنار بدأت تطلع من أطراف الباب الخشب وتدخل الصالة.. بقين محبوسين جوة الشقة في الدور الرابع، والنار بتاكل الباب، ومفيش أي مخرج غير الشبابيك!
مسكت ياسين وجنى وجريت بيهم على بلكونة الأوضة الجوانية، وفتحت الشباك وأنا بصرخ بأعلى صوتي للشارع:
— الحقوناااا! الشقة بتولع! الحقوناااا!
الناس في الشارع بدأت تتجمع وتصرخ، وجوزي كان طالع يجري من المسجد بوش مرعوب وهو شايف النار والدخان طالعين من بلكونة شقتنا..
وفي وسط الزيطة والناس اللي بتجري تحت، ياسين بص ناحية زاوية الشارع تحت العمارة.. وفجأة وشه اتثبت وشاور بصباعه وهو بيرتعش ويصرخ:
— طنط! بصي هناك!.. هو واقف تحت وبيبتسم!
تطلعت للشارع تحت، ولقيت الأب واقف في مدار الشارع بين زحمة الناس، ماسك ولاعة في إيده، وبيبص لبلكونتنا بابتسامة نصر مجنونة… والحديد والنار بيحاصرونا من كل اتجاه!
النار بدأت تأكل خشبة البالكونة والصالة ورا أظهرنا اتملت بالكامل بالدخان الأسود التقيل. جنى كانت بتتخنق في حضني وصوت بكائها بدأ يختفي من كثرة الدخان، وياسين واقف قدامي بيحاول يغطيني بأجسامهم ويبعدنا عن اللهب اللي بيقرب بكل قسوة.
تحت في الشارع، الصوت كان عالي جداً، والناس صرخت لما شافوا جوزي وهو بيكسر بوابات العمارة ويدخل في وسط النار والدخان من غير ما يفكر في نفسه.
في ثواني معدودة، وقبل ما الدخان يعمي عينيا تماماً، سمعنا صوت خبط يرعب على باب البالكونة الخلفية المطلة على المنور. جوزي، بمساعدة الجيران اللي جابوا سلاليم وأدوات تكسير من العمارة المجاورة، قدروا يكسروا السور الحديدي للبالكونة الخلفية اللي كانت أبعد عن مصدر النار.
مد جوزي إيديه من وسط الدخان وشاله جنى الأول، وبعدين سحبني، وياسين كان آخر واحد ينط معانا وهو بينهج وجسمه كله مهبب بالهباب الأسود. نزلنا للشارع في اللحظة اللي كانت عربيات المطافئ بتوصل فيها وتسيطر على الحريق قبل ما يأكل العمارة كلها.
أول ما رجلينا لمست الأرض، أغمى عليا من الخوف والدخان، وما فقتش غير في المستشفى وأنا حاطة ماسك الأكسجين، وجوزي قاعد جنبي ومسك إيدي وبيبكي، وياسين وجنى قاعدين على السرير التاني وسالامين.
أول كلمة ناطقتها كانت:
— الراجل ده فين؟
جوزي مسك إيدي بكتين وابتسم من بين دموعه وقال بصوت هادي وثابت:
— اتمسك يا حبيبتي.. اتمسك متلبس.
الناس في الشارع لما شافوه واقف بيبتسم وماسك الولاعة وهو بيشوف الشقة بتولع، أدركوا فوراً إنه هو اللي رش البنزين وقفيل الباب بسلسلة حديد من برة. الجيران هجموا عليه ومسكوه لحد ما الشرطة جت وقبضت عليه في نفس اللحظة.
تاني يوم، النيابة أمرت بحبسه على ذمة القضايا: محاولة قتل عمد، وإضرام النيران في مكان سكوني، وتزوير أوراق رسمية. وبشهادة الجيران والكاميرات اللي كانت متعلقة في الشارع، القضية بقت مقفولة تماماً ضده، والمحكمة أصدرت حكمها النهائيات بسجنه مشدد، وسحب كافة حقوقه الولائية أو الوصاية على ياسين وجنى للأبد.
وبعد مرور ستة أشهر…
كنا قاعدين في شقتنا الجديدة اللي اخترناها مع بعض في حي هادي. البيت كان مليان نور وضحك. جنى كبرت شوية، وبقت بتجري في الصالة ومسك كتاب المدرسة بتاعها، وياسين قاعد على السفرة وحاطط قدامه كتب الثانوية العامة، وبيذاكر بكل شغف عشان يحقق حلمه ويدخل كلية الهندسة.
الأوراق الرسمية للتكفل والتبني كانت خلاص اتوثقت نهائياً في المحكمة وفي الجمعية، وبقى ياسين وجنى رسمياً وعلى ورق القانون جزء من عيلتنا.. ولادنا اللي ربنا عوضنا بيهم بعد سنين طويلة من الصبر.
قربت من ياسين وحطيت كوباية العصير قدامه على التربيزة، وطبطبت على كتفه.
رفع رأسه وبصلي، والمرة دي ماكانتش فيه أي نظرة خوف، ولا توتر، ولا شنطة متوضبة جنب السرير مستنية الرفض. وشه كان مليان راحة وأمان.




