روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

قلت بصوت صارم وواضح: “حاسبي يا حاجة حكمت.. الشبكة دي مش رزق جه للبيت عشان يضيع على الأوهام. الشبكة دي محمود جابها بفلوس استلفها من شغلنا وبيت بناتنا، وتعتبر جزء من سداد الدين اللي ثبت عليه رسمياً. الحاجات دي هتروح فوراً للمحامي، وهتسجل كدفعة جزئية من القيمة المادية المكتوبة في وصل الأمانة لصالح فريدة ونور وتاليا.”

صرخ محمود وهو يرفع رأسه وعيناه الدموع تغشيهما: “يا هبة حرام عليكِ! كفاية إهانة لحد كده! الشارع كله سمع، والناس اتكلمت، وجاي تاخدي الشبكة كمان؟! أنتِ معندكيش رحمة؟!”

وقفتُ أمامه بثبات وقسوة واثقة: “الرحمة أنت اللي قتلتها يا محمود يوم ما دخلت عليا بالعروسة الجديدة في نص الصالة، ويوم ما استكثرت عليا وعلى بناتك لقمة عيش هادئة وكرامة مرفوعة. أنت كنت فاكر إن الجوازة الثانية هتخليك سيدي وسيد الناس، ودلوقتي شفت بنفسك مين اللي اشترتك عشان القرشين، ومين اللي وقفت جنبك لما الكل سابك. الشبكة دي مش ملكك ولا ملك أمك، دي حق البنات والقانون هو اللي هيحكم بيننا.”

التقطتُ الأكياس بهدوء وأدخلتها إلى غرفتي وقفلته بالمفتاح. جلس محمود على الأرض يستند بظهره إلى الجدار، وأجهش بالبكاء كالطفل الصغير، بينما فضلت الحاجة حكمت الصمت تماماً ودخلت غرفتها وانغلق الباب عليها، بعد أن أدركت تماماً أن أي محاولة للمقاومة سترتد عليها وعلى ابنها بوبال أكبر.

الأيام التالية شهدت تحولاً جذرياً في البيت. لم يعد محمود يجرؤ على رفع صوته أو التذمر. بدأ يخرج للعمل من الفجر ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، ليجمع أكبر قدر ممكن من المال لتغطية مصروفات البيت الأساسية التي فرضتها عليه بصرامة. وفي نفس الوقت، كان المستأجر الجديد في الدور العلوي يدفع الإيجار الشهري بانتظام في الحساب البنكي الخاص بالبنات.

بدأتُ أستغل هذا المبلغ في تحسين مستوى معيشة البنات؛ ألحقتهن بدورات تدريبية وتقوية، واشتريت لهن كل ما يحتاجن إليه ليكون أفضل حالاً بين زميلاتهن في المدرسة. تحول البيت من ساحة للصراع والمهانة إلى مملكة صغيرة تديرها الأم بحكمة وقوة، ويكون فيها الأطفال هما المرجعية الأولى والأخيرة.

وفي ليلة من الليالي، بعد أن نامت البنات، نزل محمود من فوق بعد أن أنهى بعض الصيانة الخفيفة في السلم. قعد في الصالة وناداني بصوت خافت ومكسور: “هبة.. ممكن أتكلم معاكِ دقيقة واحدة؟”

خرجت وقفتُ عند الباب وقلت: “خير يا محمود؟”

قال وهو ينظر إلى الأرض: “أنا بكره عندي جلسة في المحكمة بخصوص قضايا التجار ومواد البناء.. المحامي قال لي إن المحكمة ممكن تأجل أو تدي مهلة سداد لو قُدم ما يثبت إني بالتزم بالدفع. أنا عارف إني أخطأت في حقك وفي حق البنات، وعارف إن كلام أمي هو اللي عماني.. بس أنا شغال ليل نهار عشان ألم الشمل وأستر البيت. هل فيه أمل إنك تسحبي القضايا أو تديلي فرصة أثبت إني اتغيرت بجد؟”

نظرتُ إليه بتمعن؛ رأيتُ في وجهه آثار التعب الحقيقي والندم الداخلي، لكن الجرح الذي أحدثه في قلبي وفي كرامة بناتي لم يكن ليمحي بكلمات بسيطة أو بوعود عابرة.

قلتُ بنبرة هادئة وحاسمة: “الفرصة مش كلام يا محمود.. الفرصة أفعال بتثبتها الأيام. الجلسة بكرة المحامي بتاعي يحضرها، وهيقدم للمحكمة ما يثبت إنك بتسدد أجزاء من ديونك للبيت وللبنات، وده هيحميك من السجن. لكن رجوع المياه لمجاريها أو التنازل الكامل عن حقوقي، ده شيء مركون للزمن.. لما أشوف إنك بقيت سند حقيقي لبناتك مش أداة في إيد غيرك، ساعتها بس هفكر.”

تركته وقفتُ أتابع من النافذة هدوء الشارع، وأنا أعلم تماماً أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الطريق لإعادة بناء الحياة على أسس صلبة يحتاج لمزيد من الصبر والثبات، وأن كرامة المرأة وعزتها هي السلاح الوحيد الذي يضمن لها ولأطفالها آينما كانوا مستقبلاً آمناً لا يجرؤ أحد على مساسه.

في صباح اليوم التالي، خرج محمود من البيت بخطوات ثقيلة وجهه يكسوه الهم والتردد، متوجهاً إلى ساحة المحكمة لمواجهة قضايا التجار. كانت الشمس حارقة، ورطوبة الصباح تتسلل إلى صدره فتزيد من ضيقه. ولأول مرة منذ سبع سنين، يمشى في الشارع وحيداً بغير سند، بلا هيبة الرجل المقتدر التي طالما حاول الادعاء بها، وبلا رضا الزوجة التي صانته طويلاً، ولا حتى بدعم أمه التي اختفت داخل غرفتها وانكسرت شوكتها تماماً بعد أن رأت نتائج حصادها المر.

في المحكمة، كان الموقف مهيباً والممرات مزدحمة بالخصوم والمحامين. وقف محمود عند زاوية القاعة ينتظر قضيته والأرق ينهك جسده. وعندما نوديت قضيته، تقدم وهو يبلع ريقه برعب من أن يجد نفسه خلف القضبان في أي لحظة. لكن المحامي الموكل عني كان حاضراً في الموعد تماماً. تقدم أمام القاضي بثبات، وقدم مستندات رسمية تُثبت البدء في تسوية الديون عبر الموارد المتاحة من حصة الإيجار والشبكة المردودة، ومشيراً إلى إيداع مبالغ شهرية منتظمة باسم البنات.

نظر القاضي في الأوراق بتمعن، ثم رفع عينيه إلى محمود وقال بنبرة حاسمة: “المحكمة تقرر تأجيل القيمة التنفيذية لمدة ثلاثة أشهر لإتاحة الفرصة للمدعى عليه باستكمال التسوية ودفع بقية الأقساط للملتزمين.”

خرج محمود من قاعة المحكمة وكأنه كتب له عمر جديد. استنشق الهواء بلهفة وكأن سلاسل حديدية كانت تطوق عنقه وفُكت في اللحظة الأخيرة. نظر إلى محاميّ وسأله بصوت مرتعش: “هي هبة.. هي هبة اللي طلبت منك تطلب التأجيل وتثبت التسوية؟”

رد المحامي ببرود وهو يجمع أوراقه في حقيبته: “المدام هبة مش عايزة تخرب بيتك ولا تحبسك يا محمود بيه.. المدام هبة بتدير الأزمة بعقل، وعايزة حق بناتها وكرامتها فقط. لو هي كانت عايزاك تتسجن، كانت حركت قضايا الوصل فوراً ومن غير تأجيل. فكّر في كلامي كويس، وارعى ربنا في بيتك وبناتك قبل ما المهلة دي تخلص.”

سار محمود في طريق العودة إلى الحارة وهو يفكر في كل كلمة قيلت. أدرك في تلك اللحظة فرقاً جوهرياً هائلاً بين امرأتين؛ بين شيرين التي أحبته لأجل مظهر ثراء وهمي وباعت قضيته ولعنت اليوم الذي عرفته فيه بمجرد أن شمت رائحة الأزمة، وبين هبة التي رغم كل الإهانات والبجاحة والكسرة التي سببها لها، كانت هي الجدار الصلب الوحيد الذي يحميه من السجن ويحفظ أطفاله من الضياع، حتى وهي تحاكمه بقوة القانون.

عندما وصل البيت، كانت الظهيرة قد حلت. دخل الصالة فوجد البيتادين والدواء على الطاولة، والحاجة حكمت تجلس في زاوية الكنبة وانكماش كامل يعلو جسدها. كانت مريضة، وضغط دمها مرتفعاً من كثرة التفكير والخزي الذي ألمّ بها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى