روايات وقصص

لما عرفت إن أهل مرات3

جري ابني ومراته وأنا معاهم مع خاله، وركبنا العربية وطلعنا على موقع المحل. لما وصلنا، كانت المطافي مالية الشارع وصوت السارينات مهزوز في المنطقة، والأهالي ملمومين بيحاولوا يطوقوا النار. المطافي قدرت تسيطر على الحريق قبل ما يمتد للعمارات المجاورة، لكن البضاعة جوه كانت كلها اتقحمت، والأهم من ده… إن الشرطة كانت كلبشت أخوها الكبير وهو واقف قصاد المحل، إيده محروقة ووشه كله هباب أسود، وبيضحك ضحكات هيستيرية من كثر طيشه وغله!

أبوها كان قاعد على الرصيف قصاد المحل، بيبكي بحرقة وواحط إيده على رأسه، وشايف شقى عمره وسمعته وابنه الكبير بضيعوا في لحظة طيش. أول ما شاف بنته وابني نازلين من العربية، قام يزحف على رجليه وجي لحد عندهم، وبكى بكاء مر وهو بيترجاهم قدام الشارع كله:

“سامحوني يا ولادي… أرجوكم سامحوني! الغل أعمى عين ابنكم ودمرنا كلنا! تنازلوا عن المحضر يا ابني، أخوكي هيروح في داهية وتضيع حياته في العقوبة!”

المنظر كان صعب، ومراته بصت لأخوها وهو مسحوب في عربية البوليس، ورجعت بصت لأبوها المكسور على الرصيف، والدموع نازلة من عينيها زي المطر. طالعت في ابني وقالت بصوت مكسور لكن فيه حكمة:

“أنا كان نفسي الحق يرجع بالمعروف… لكن هما اختاروا الطريق ده بإيديهم.”

ابني مسك إيد مراته وبص لحماه بكل هيبة ووقار وقال له:

“يا عمي… أنا أخدت بنتك من بيتكم بعزة وكرامة، وأمي لما نصحتها في الأول كانت خايفة على منظري وهيبتي، لكن انتوا دخلتوا في نياتنا وجريتوا ورا الفلوس والتزوير لحد ما وصلتوا لنقطة السقوط دي. المحضر اللي اتقفل امبارح في النيابة وحادث الإشعال المتعمد ده حق دولة وقانون، إحنا مش هنتبلى عليه لكن مش هنزور الحقيقة عشان نغطي على جريمة.”

تدخل خالي ابني وقال بحسم:

تنازل عن الحق الشخصي في المحل والأضرار هنعمله عشان خاطر بنتك وعشان ما نرميش الراجل الكبيرة في الشارع، لكن أخوك لازم يتحمل نتيجة طيشه وتتعالج دماغه بالقانون، عشان يعرف إن السايب مالوش حرمة وإن كرامة الناس مش لعبة.”

وبالفعل… اتعمل تنازل رسمي عن التعويضات المادية الخاصة بالمحل عشان خاطر مرات ابني ورغبتها إنها ما تشوفش أبوها مهدد في كبره، لكن أخوها خد جزاءه بالقانون وقضى عقوبته عن الإشعال المتعمد، وكانت دي الصفعة اللي فوقته من الغرور والطمع.

مرت الأيام والشهور… وربنا عوض ابني ومراته عن كل اللحظات التقيلة اللي عاشوها. العروسة أثبتت إنها بنت أصول بجد، وعرفت إن حماتها مكانتش حماة متسلطة، لكن كانت جدار صلب بيحمي بيتها وكرامة جوزها من الأول. الشقة فوق رجع فيها الضحك والدفء، وبعد سنة ربنا كرمهم بطفل جميل ملا علينا البيت فرحة وأمل.

أما أنا… فقعدت في البلكونة في نفس المعاد بعد الضهر، ماسكة كباية الشاي وبصت للسماء وبشكر ربنا…

عرفت إن السكوت على الأصول في الأول كان ممكن يبني بيت على باطل، لكن الجملة البسيطة اللي قيلت بهدوء في أول القصة: “اللي ييجي بيت جوزك، يتكرم من خير بيت جوزك”… كانت هي القشة اللي غربلت الطيب من الخبيث، وبنت البيت ده على ساس متين ميهزوش أي ريح.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى