
وقفت مريم في منتصف الصالة، تتأمل البيت الذي امتلأ بقوائم التجهيزات، وأكاليل الزهور الطبيعية التي طُبخت روائحها مع التوتر المخيم على المكان. لم يكن البيت يبدو كبيت على وشك إقامة حفل زفاف بعد أربع وثمانين ساعة، بل كان أقرب إلى ساحة معركة انتهت لتوها، ولم يتبقَّ منها سوى دخان الحقيقة الصدمية. كانت الرسالة التي أرسلتها عبر المجموعات العائلية قد أحدثت زلزالًا لا يُستهان به؛ الرنين المتقطع لهاتف والدها لم يتوقف منذ لحظة الخروج من سراي النيابة، بين متسائل مذهول، ومستنكر ينفي الخبر، وأقارب لم يستوعبوا كيف يتحول الزفاف المنتظر منذ أربع سنوات إلى بلاغ قضائي وقوافل من التحقيقات في ساحات المحاكم.
أغلقت مريم هاتفها تمامًا وضغطت على زر الإيقاف. كانت بحاجة إلى هدوء يستوعب الفراغ الكبير الذي يخلفه الصدم المعرفي في نفس الإنسان بعد النجاة. نظرت إلى فستان الزفاف الأبيض المعلق على واجهة الخزانة، بلونه الناصع وتطريزه الفاخر الذي أمضت برفقة سارة أشهرًا طويلة في اختيار أدق تفاصيله. لم تشعر برغبة في البكاء أو البؤس، بل شعرت برغبة عارمة في تنظيف حياتها من كل أثر يرتبط بتلك المرحلة. اقتربت من الفستان، سحبته بهدوء، وأدخلته داخل قماش التغليف الفاخر، محكمة إغلاقه كأنها تغلق فصلًا كاملًا من الخديعة التي أحيطت بها دون أن تدري.
-
حماتي كانت بتعمل حركة غريبة 1منذ ساعتين
-
حكايات ليلى1منذ 4 ساعات
-
حكايات امانى السيد 2منذ 9 ساعات
-
بنت سلفتى حكايات رومانى مكرم 3منذ يوم واحد
في صباح اليوم التالي، وقبل أربع وعشرين ساعة من الموعد الكاذب للفرح، تلقت مريم اتصالًا من الرائد حسام بالنيابة العامة، يطلب حضورها لاستكمال أقوالها وإغلاق المحضر النهائي المتعلق بالمحامي سامح والأدلة التي استُرجِعت. رافقها والدها، الذي بدا أخيرًا مستردًا لعافيته بعد أن استعاد عقود الشقة وأوراق ملكية أرض المحلة، ورغم مظاهر التعب التي ارتسمت على ملامحه، إلا أن النبرة الصلبة عادت إلى صوته وهو يسير بجانب ابنته التي أثبتت أن مهنتها كصناعية طيران تمنحها ضبطًا للنفس لا يمتلكه أعتى الرجال.
عند وصولهما إلى مبنى النيابة، كانت وسائل الإعلام المحلية وأقلام الصحافة الاقتصادية ومتابعي السوشيال ميديا قد بدأوا يتداولون الخبر؛ فالقضية لم تعد مجرد خلاف شخصي بين خطيبين، بل تحولت إلى واحدة من أكبر قضايا كشف التزوير والاختلاس المنظم داخل المؤسسات الأهلية، والتي راح ضحيتها مئات من المتبرعين والمستثمرين الصغار. كان اسم “مريم حسام” المضيفة الجوية يتردد في التغطيات الجانبية كشاهدة إثبات ومنقذة لأموال المؤسسة من الهريب خارج البلاد على رحلة دبي.
أدخلها ضابط التحقيقات إلى غرفة المواجهة الأخيرة لإتمام التوقيعات. خلف الزجاج العازل، كان أحمد يرتدي ملابس السجن البيضاء، وبجواره سارة بنفس المظهر الشاحب. انكسرت النظرة الفائقة والغرور الذي كان يغمر وجه سارة يومًا ما؛ كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا في ذهول غير متقبل للمصير، بينما بدا أحمد مهشمًا كليًا، حليق الرأس، يطبق يديه على الطاولة والأرق ينخر تحت عينيه.
عندما فُتح الباب لتسليم الإفادات، التقت الأعين لثوانٍ معدودة. حاول أحمد الاندفاع نحو الزجاج الفاصل، يصرخ بنبرة خنقها البكاء:
— مريم! أرجوكي يا مريم تسمعيني! سارة هي اللي .. هي اللي أقنعتني إن الفلوس دي حقنا وإننا نقدر نعيش في مكان تاني! أنا بحبك إنتي.. والله العظيم اتلعب بيا! اسحبي البلاغ الخصوم وما تضيعيش مستقبلي!
لم تهتز لمريم شعرة واحدة. وقفت بزيها المدني الأنيق، تنظر إليه من خلف الزجاج بنظرة لم تكن تحتوي حتى على الكراهية، بل كانت تفيض بالحياد التام. الحياد الذي أكثر من أي .
التفتت نحو سارة، التي ردمت وجهها بين يديها تجنبًا لمواجهة عينيها.
فقالت مريم بصوت وادع، وصل عبر سماعة التواصل الملحقة بالزجاج:
— سارة.. فاكرة لما همستِ في وذن أحمد وقلتِ «لو مريم اتكلمت هنخلص عليها قبل ما توصل للفرح»؟ إنتي ما كنتيش تعرفي إن الخلاص الحقيقي كان من وجودك أنتِ وأحمد في حياتي. أنا ما خسرتش حاجة.. الفستان هيتركن، والشقة ملكي، وحياتي بدأت النهارده. إنتوا اللي خسرتوا كل حاجة عشان شوية ورق وفلوس حرام.
وقع أحمد على الكرسي خلفه مجهشًا بالبكاء، بينما الحراس إلى المحمية تمهيدًا لنقلهما إلى طرة لإمضاء العقوبة الصادرة ضدهما والتي تقرر أن تبدأ بعشر سنوات مشددة لكل منهما تزيد بحسب تعديلات أحكام التزوير والأموال العامة.
خرجت مريم من المحكمة برفقة والدها، لتجد الكابتن نبيل في انتظارها عند المدخل الرئيسي مع مجموعة من زملائها في طاقم الطيران، ممن تابعوا التفاصيل منذ البداية. تقدم الكابتن نبيل منها، وقدم لها باقة زهور بيضاء بسيطة، وابتسامة تقدير تعلو وجهه:
— كابتن مريم.. رئيس مجلس إدارة الشركة بنفسه بلّغني إنه تم تقديم ترقيتك لمشرفة طاقم الرحلات الدولية، تقديرًا لشجاعتك وحسن تصرفك الأمني والمهني في سماء الطائرة، وإدارة أزمة أمنية كانت ممكن تتطور لكارثة. إنتي فخر للشركة كلها.
استلمت مريم الزهور، وابتسمت ابتسامة صافية نابعة من أعماق قلبها. كانت تلك هي المرة الأولى التي تبتسم فيها من دون أن تحس بضغط التوقعات أو المخاوف المخبأة تحت السطح.
وفي مساء اليوم التالي، الموعد الذي كان يفترض فيه أن تصطف السيارات بالزينة وتتعالى أصوات الزغاريد في إحدى قاعات الفنادق الكبرى، استقبل بيت مريم جميع أفراد عائلتها المقربين، وأصدقائها الحقيقيين من العمل. لم تكن هناك موسيقى صاخبة، ولا فستان زفاف مكبل بالقيود، بل كانت هناك مائدة ضخمة من الطعام الذي أعدته والدتها، وأجواء ملؤها الدفء والأمان.
جلست مريم وسط صديقاتها الجدد ووالدها الذي ينظر إليها ببديهية الفخر والارتياح. رفعت كأس العصير، وقالت وسط ضحكات الحاضرين:
— بنحتفل النهارده مش بفرح اتلغى.. بنحتفل بالحياة الجديدة، وبكل إشارة خطر ربنا بينورها قدامنا في الوقت المناسب. 9 آلاف متر كانوا كفيلين ينقذوني طول العمر.
صفّق الجميع، وتجاوبت الأصوات بالدعوات والأماني السعيدة.
بعد انتهاء السهرة ومغادرة الضيوف، صعدت مريم إلى غرفتها. فتحت شباك الغرفة لتستنشق هواء الليل العليل. أخرجت هاتفها، وحذفت كل الصور والمحادثات القديمة التي جمعتها بأحمد وسارة، مسحت كل ملفات الماضي بنقرة واحدة على الشاشة.
ثم أخرجت جدول رحلاتها الجديد للأسبوع القادم، ورأت اسمها مدونًا كـ “رئيسة طاقم” على الرحلة المتجهة إلى باريس صباح الثلاثاء. ابتسمت، وأغلقت المفكرة، مجهزة حقيبتها الجديدة، وهي تعلم تمامًا أن السفر القادم لن يكون أو المغامرة، بل سيكون طيرانًا حقيقيًا نحو مستقبل صنعته بيدها، بثبات، وعزة نفس لا .




