
كاد الخنجر المسموم يلمس ثوب إيما المزركش بسخام النيران، وكان الزعيم يبتسم ابتسامة مريضة، متوهماً أن نقطة واحدة من الدم ستنهي هذه الأسطورة التي أزعجت مضجعه. لكن الهوى الذي تحرك خلف ظهر إيما لم يكن مجرد نسيم فجر بارد؛ بل كان حركة خاطفة تشبه إعصاراً صغيراً.
انطلق الكلب الأسود الضخم، الذي كان يرصد الساحة بذكاء يفوق البشر، من فوق ركام جدار خرساني قاططعاً المسافة في أسرع من الرمش. قبل أن يهوي يد الزعيم بالخنجر، اشتبكت أفكاك الكلب القوية بالمعصم المغطى بالجلد الفاخر، وسُمع صوت تهشم عظام حاد كسر صياح المعركة.
سقط المسدس الخفي والخلنجر على الأرض الملوثة بالغبار والزيت، وسقط الزعيم على ركبتيه يصرخ بصوت جش مدوٍّ، ملطخاً بدمائه الخاصة التي طالما سفك مثلها في أزقة هذه المدينة. تراجعت إيما خطوة إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين ثاببتين لم تعودا تريان فيه الطاغية المرعب، بل مجرد رجل ضعيف مجرد من أوهام القوة والسلاح.
ارتجف الزعيم وهو يمسك بمعصمه المشمول بالدم، ونظر حوله بذهول قاتل. كانت السيارات المصفحة التي أتى بها لتدمير الحي قد تحولت إلى هياكل مشتعلة تصعد منها أدخنة سوداء كثيفة، ورجاله الأشداء الذين طالما أرهبوا البلدة كانوا إما مقيدين إلى الأعمدة الخشبية بأيدي الشباب الغاضبين، أو يفرون في الأزقة الجبلية المظلمة يطلبون النجاة بجلودهم.
أشار الحداد العجوز بمطرقته نحو الزعيم الجريح، واحتشد حوله أهالي المدينة في دائرة بشرية ضخمة لا منفذ منها. كانت الوجوه التي اعتادت النظر إلى الأرض خاضعة، تنظر إليه الآن بأعين مليئة بالتحدي والكبرياء.
قال الزعيم ونبرته تتأرجح بين التهديد والرجاء الخائب:
— أنتم… أنتم لا تعرفون ماذا تفعلون! المافيا ليست أنا فقط! هناك المجلس الأعلى في العاصمة، لديهم أسطول من الرجال، وسلاح لا قبل لكم به! إن لم تطلقوا سراحي الآن، ستتحول مدينتكم كلها إلى مقبرة جماعية!
تقدمت إيما من بين الجموع، ووقفت أمامه مباشرة، بينما وضع الكلب الأسود كفه الضخم على صدر الزعيم المنبطح، يزمجر بصرامة تعني أن أي حركة غادرة ستكون الأخيرة له.
قالت إيما بصوت هادئ ولكنه اخترق أذان الجميع:
— المجلس الأعلى اللي بتتكلم عنه كان قوي طول ما إنت بتمشي الناس بالخوف. بس الليلة دي، الخوف مات في الشوارع دي، والخبر هيوصل للعاصمة قبل ما النهار يططلع. لما يعرفوا إن أشرس رجل عندهم وقع تحت إيدين بنت حداد و3 كلاب، مش هييجي حد يحارب عشانك… هيسيبوك لمصيرك.
رفع الشيخ عثمان، كبير تجار السوق، صوته وقال أمام الحشد:
— لن نقتلك كما كنت تفعل مع الأبرياء؛ فنحن لسنا سفاحين مثلك. ولكنك لن ترى الشارع ولا الشمس مجدداً كما كنت تراها. ستسلم للعدالة الحقيقية التي حاربتها طوال عمرك، وسنضمن أن كل قرش سرقته من أفواه الفقراء يعود لأصحابه!
حمل الشباب الزعيم المهزوم وقيدوه بالسلاسل الحديدية الثقيلة التي طالما صنعها الحداد في ورشته. وسرعان ما تم التحفظ على المقر الحصين في الجبل، وعُثر داخل خزائنه السرية على المئات من العقود المزورة والإتاوات المنهوبة، وأدلة تدين شبكة الفساد الممتدة إلى مدن أخرى.
بحلول الظهيرة، كانت المدينة تلملم جراحها. اجتمع الأهالي أمام بقايا ورشة الحداد المحترقة، وبدأ التكاتف الحقيقي؛ جاء النجارون بالأخشاب، والبناءون بالحجارة، والنساء بالطعام والماء. وفي غضون ساعات قليلة، كانت هناك ورشة جديدة تبنى بأيدي الجميع، لتكون مقراً للحرية وليس مجرد مكان لتشكيل الحديد.
جلست إيما على عتبة الورشة الجديدة، وحولها الكلاب الثلاثة التي أصبحت بمثابة الحراس والرموز لهذه البلدة. طبعت إيما قبس حنان على رأس الكلب الأسود، الذي غمغم بصوت خافت مستسقياً الدفء، وكأنه ينسى سنوات العذاب والتجويع التي عاشها في القفص الخرساني.
لكن، وفي الوقت الذي كانت فيه الاحتفالات تعم الشوارع، كان هناك ظل آخر يراقب المشهد من مسافة بعيدة عبر تلسكوب مكبر من قمة جبلية مطيّة على البلدة. كان رجلاً يرتدي معطفاً أسود فاخراً، ويضع في أصابعه خاتماً يرمز للمجلس الأعلى للمافيا في العاصمة.
أغلق الرجل التلسكوب ببطء، وأخرج هاتفاً فضياً عتيقاً، وقال بنبرة حادة وصارمة:
— الزعيم الميداني سقط، والبلدة خرجت عن السيطرة بالكامل. البنت والكلاب أصبحوا رمزاً خطيراً قد ينتقل ناره إلى بقية الولايات… أرسلوا قوة الفرسان السوداء. لا نريد أسرى هذه المرة.
خيّم هدوء ثقيل ومريب على جو المدينة، هدوء لم يكن يشبه سلام الانتصار، بل كان يحمل في طياته تحذيراً من عاصفة أعتى وأشد ضراوة. على الرغم من أن السعادة كانت تغمر قلوب الأهالي وهم يبنون ورشة الحداد من جديد، ويرفعون أنقاض الدمار الذي خلفته مواجهة المافيا، إلا أن إيما لم تطمئن لحظة واحدة. كانت تقف عند مدخل الشارع الجنوبي، تستنشق الهواء البارد المحمل برائحة الغبار، وعيناها تطوفان بالتلال والجبال المحيطة بالبلدة.
لم تكن الكلاب الثلاثة في حالة راحة هي الأخرى؛ فالكلب الأسود الضخم كان يذرع الشارع جيئة وذهباً، ويثبت أذنيه نحو قمم الجبال، أصدر زمجرة خافتة بين الحين والآخر تعكس توتراً سارياً في أرجاء جسده. شعرت إيما بأن دائرة الخطر لم تُغلق بعد، وأن سقوط الزعيم لم يكن إلا قطعاً لرأس الأفعى، بينما ما زال جسدها المسموم يتحرك في العاصمة.
وفجأة، انقطع التيار الكهربائي عن المدينة بأكملها في وضح النهار، وغرقت الأجهزة والورش في صمت مفاجئ. ساد الذهول بين الأهالي، وقبل أن يتساءل أحد عن السبب، انطلقت صفارات الإنذار من أبراج المراقبة القديمة على أطراف البلدة.
من بين أزقة الجبال الملتوية، ظهرت أعمدة من الدخان الأسود الكثيف، وتلاها صوت مروحيات حربية هجومية سوداء اللون لا تحمل أي أرقام أو أعلام. كانت هذه هي “قوة الفرسان السوداء”، النخبة الضاربة التابعة للمجلس الأعلى للمافيا في العاصمة، رجال لا يعرفون المفاوضات ولا يتعاملون بالإتاوات، بل مهمتهم الوحيدة هي الإبادة الشاملة ومحو أي بؤرة تتمرد على سلطة المجلس.
انتشرت عشرات السيارات المصفحة الحديثة مزودة بمدافع آلية ذاتية الحركة، وأغلقت جميع منافذ المدينة في دقائق معدودة. نزل من المروحيات والسيارات رجال يتشحون بالسواد الكامل، ويضعون أقنعة واقية، ومسلحون بأسلحة حرارية متطورة. لم يوجهوا أي كلام للأهالي، ولم يطلبوا الاستسلام، بل بدأوا فوراً في إطلاق النار بشكل مكثف على المتاريس والمباني، مجبرين الأهالي على التراجع والفرار نحو الأزقة الضيقة.
صرخ الحداد العجوز وهو يدفع ابنتها خلف جدار سيمينتي صلب:
— إيما! هؤلاء ليسوا أوباش الزعيم المحلي! هؤلاء جيش منظم جاء ليمحونا تماماً! خذي الكلاب واهربي من السرداب الخلفي!
ردت إيما وهي تمسك بمطرقة أبيها وتستعد للمواجهة:
— لو هربنا النهاردة يا أبي، لن تبقى هذه المدينة قائمة غداً. هم يريدون قتل الأمل قبل أن يقتلوا أجسادنا، والهروب سيعطيهم ما يتمنون!
في تلك اللحظة، تقدم قائد “الفرسان السوداء”، الرجل ذو المعطف الفاخر الذي كان يراقب من التل. وقف في منتصف الشارع الرئيسي المحترق، وأخرج جهاز بث صوتي عالي القدرة وقال بنبرة جافة خالية من أي طابع بشري:
— نحن لا نهتم بفرص النجاة، ولا نهتم بما حدث للزعيم السابق. صدر القرار من المجلس الأعلى: هذه البقعة ستصبح عبرة لكل من يفكر في الخروج عن النظام. أمامكم خمس دقائق لتسليم الفتاة والكلاب والحداد، وإلا سنسوي كافة المباني بالأرض بمن فيها.
ساد رعب حقيقي بين أهالي البلدة؛ فالقوة العسكرية المعروضة أمامهم كانت تفوق طاقتهم بمراحل، والأمل الذي أضاء بالأمس كاد يتلاشى تحت وطأة هذا البطش الغاشم. نظر الناس إلى بعضهم البعض في ذهول وحيرة، وظهر الضعف في عيون البعض تحت تأثير التهديد بالإبادة الشاملة.
لكن الكلب الأسود خطى خطوة واسعة إلى الأمام، ووقف أمام قائد الفرسان والرشاشات الموجهة نحوه، وأطلق عواءً طويلاً ومجلجلاً هز شوارع المدينة. لم يكن عواء خوف، بل كان نداءً استنهض الهمم، وتلاه عواء الكلبين الآخرين، ليصنعوا جداراً حياً يمنع التقدم نحو إيما.
رفعت إيما رأسها وقالت بصوت مسموع وصل إلى مسامع الجميع:
— القوة مش بالأسلحة ولا بالسيارات المصفحة.. القوة في إرادة الناس اللي رفضت تظلم! لو عشنا ركعنا النهاردة، مش هنقوم تاني أبداً!




