
قررت أدوق مرات بابا اللي عملته زمان في ماما
بقلم أماني سيد — الجزء الرابع والأخير
فضلت طول الليل أفكر في رسالة أدهم، وكل شوية أمسك الموبايل وأقرأها من جديد.
«محتاج أتكلم معاكي بكرة، لأن فيه قرار أخدته، ومش عايز أخبيه عنك.»
كنت خايفة من القرار اللي أخده، لكن الغريب إني لأول مرة ماكنتش خايفة أخسره قد ما كنت خايفة أرجع لنفس الدوامة اللي عشت فيها سنين.
تاني يوم، صحيت بدري، وروحت الشغل كعادتي، ولما رجعت لقيت أدهم قاعد في الصالة، وقدامه ورق كتير.
أول ما شافني، أشار لي أقعد.
قعدت قدامه، وقلت: ـ خير يا أدهم؟ إيه القرار اللي كنت عايز تقولهولي؟
بص لي شوية، وبعدها قال: ـ أنا فكرت كتير في اللي حصل بينا، ووصلت لقرار إني مش هقدر أكمل جوازنا بالشكل ده.
حسيت بوجع في قلبي، رغم إني كنت متوقعة الكلام ده.
كمل: ـ مش عشان إنتِ وحشة، ولا عشان أنا شايفك إنسانة سيئة، لكن لأننا بدأنا علاقتنا بطريقة غلط. إنتِ كنتِ عايزة تنتقمي من سمر، وأنا كنت عايز أعاقبها، وكل واحد فينا كان بيستخدم التاني عشان يهرب من مشاكله.
نزلت عيني وقلت: ـ عندك حق.
استغرب إني ما اعترضتش، فسألني: ـ مش هتزعلي؟
ابتسمت بحزن وقلت: ـ أكيد هزعل، لأنك كنت جزء من حياتي، ولأني كنت متخيلة إن وجودي في حياتك هيعوضني عن حاجات كتير اتحرمت منها. لكن أنا مش عايزة أفضل في جواز ملوش أساس حقيقي، لمجرد إني أثبت لنفسي إني كسبت سمر.
أدهم هز راسه وقال: ـ أنا عايز ننهي علاقتنا باحترام، ومن غير ما نظلم بعض أكتر من كده. وكل واحد فينا ياخد حقه، وننهي الأمور بشكل واضح ورسمي.
سكتنا شوية، وبعدها قلت له: ـ موافقة، بس عندي طلب واحد.
قال: ـ إيه هو؟
قلت: ـ لو في يوم قابلت سمر، أو اتكلمت معاها، ما تحاولش تجرحها عشاني، ولا تحاول تثبت لي إنك اخترتني عليها. أنا مش عايزة أكون سبب في وجع حد تاني.
أدهم ابتسم ابتسامة حزينة وقال: ـ يمكن دي أول مرة أحس إنك بتتكلمي من غير ما يكون جواكي رغبة في الانتقام.
رديت عليه: ـ يمكن عشان أنا تعبت من الانتقام أكتر ما تعبت من الناس اللي كنت عايزة أنتقم منهم.
مرت أسابيع، وانتهت علاقتي بأدهم بشكل رسمي، وكل واحد فينا بدأ يرتب حياته من جديد.
ماكانش الانفصال سهل، لكن كان ضروريًا، لأننا اكتشفنا إن مش كل علاقة بنقدر نكملها لمجرد إننا بدأناها، وإن الاعتراف بالغلط مش ضعف، وإن أحيانًا أصعب قرار هو إنك تبطل تكمل في طريق عارف إنه بيأذيك.
أما سمر، فبدأت هي كمان تعيد حساباتها.
عرفت بعد فترة إنها رجعت تعيش مع أمها مؤقتًا، وبدأت تشتغل في مشروع صغير كانت بتحلم بيه من زمان، بدل ما تفضل مستنية أدهم يوفر لها كل حاجة.
ما بقيناش أصحاب، ولا بقينا قريبين من بعض، لكن بطلنا نحاول نكسر بعض.
وفي يوم، قابلتها بالصدفة في محل ملابس.
كانت واقفة بتختار حاجات، ولما شافتني ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت: ـ إزيك؟
رديت: ـ الحمد لله، إنتِ عاملة إيه؟
قالت: ـ أحسن، الحمد لله. بدأت أرتب حياتي، وبقيت أحاول أعتمد على نفسي أكتر.
ابتسمت لها وقلت: ـ ربنا يوفقك.
فضلنا ساكتين لحظات، وبعدها قالت: ـ عارفة يا بنت عمي، أنا زمان كنت فاكرة إن كل حاجة عندي حق مكتسب، وإن طالما بابا بيدلعني يبقى مفيش حد بيتظلم. ماكنتش بفكر فيكي، ولا في إحساسك وإنتِ بتشوفيه بيعمل ليا حاجات مش بيعملها ليكي.
قلت لها بهدوء: ـ وأنا كنت فاكرة إنك السبب في كل اللي حصل، وإن لما أخد منك كل حاجة، هحس إني رجعت حقي. لكن اكتشفت إننا كنا بنعيش في دائرة غلط، وكل واحدة فينا كانت شايفة وجعها بس.
سمر مدت إيدها وقالت: ـ أتمنى إننا نقدر نبدأ صفحة جديدة، حتى لو مش هنرجع زي الأول.
بصيت لإيدها، وبعد لحظة صافحتها وقلت: ـ صفحة جديدة، بس المرة دي من غير حسابات قديمة.
افترقنا، وكل واحدة فينا كملت طريقها.
ولأول مرة، ماحسيتش إني محتاجة أعرف هي رايحة فين، أو معاها إيه، أو حياتها بقت أحسن ولا لأ.
كنت أخيرًا مشغولة بحياتي أنا.
لكن كان لسه فيه حساب مهم لازم يتقفل.
حسابي مع بابا.
بعد أيام، بابا اتصل بيا وطلب يقابلني أنا وماما.
وافقت، وروحنا له في البيت.
أول ما دخلنا، قام من مكانه ورحب بماما، وبعدها بص لي وقال: ـ أنا عارف إن الكلام مش هيصلح اللي فات، لكن أنا عايز أعتذر لكم قدام بعض.
قعدنا، وبدأ يتكلم.
قال إنه غلط لما قرر يتجوز مرة تانية من غير ما يتحمل مسؤولية بيته الأول بالشكل المطلوب، وإنه غلط لما فرق في معاملته بيني وبين سمر، وإنه كان فاكر إن المصاريف والهدايا كفاية عشان يعوضنا عن غيابه.
وبعدين بص لي وقال: ـ إنتِ بنتي، وكان المفروض أحسسك إن ليكي مكان في حياتي، مش أخليكي طول الوقت بتحاولي تثبتي إنك تستاهلي اهتمامي. أنا آسف يا بنتي.
دموعي نزلت، لكن المرة دي ماكنتش دموع غضب.
قلت له: ـ أنا كنت محتاجة أسمع الكلام ده من سنين يا بابا. كنت محتاجة أحس إنك شايفني، وإنك فاهم أنا اتوجعت قد إيه. بس أنا مش عايزة أفضل ألومك طول عمري، ولا عايزة أعيش بقية حياتي وأنا بحاول أعوض طفولتي بالانتقام من غيري.
بابا مد إيده ومسك إيدي وقال: ـ حقك عليا.
بصيت لماما، لقيتها بتبتسم بهدوء.
سألتها: ـ إنتِ سامحتيه يا ماما؟
ماما بصت لبابا، وبعدها ردت: ـ أنا قررت ما أعيشّش بقية عمري أسيرة للي فات. لكن ده مش معناه إن اللي حصل كان صح، ولا إن الاعتذار يمسح السنين. المسامحة حاجة، وإن الواحد يسمح بتكرار نفس الوجع حاجة تانية.
هزيت راسي، وفهمت قصدها.
ماما ما كانتش بتقول إن كل حاجة رجعت زي الأول، لكنها كانت بتقول إنها مش هتسيب الماضي يسرق منها عمرها اللي باقي.
بعد ما خرجنا من عند بابا، مشيت أنا وماما في الشارع شوية.
كنت ماسكة إيدها، زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة، وفجأة وقفت وقلت لها: ـ ماما، أنا آسفة إني خليت وجعك سبب في وجع ناس تانية.
ماما بصت لي وقالت: ـ المهم إنك فهمتي يا بنتي. أنا عمري ما كنت عايزاكي تنتقمي لي، أنا كنت عايزاكي تبقي أقوى من اللي حصل لنا.
سألتها: ـ طب لو رجع الزمن، كنتِ هتعملي إيه؟
ابتسمت وقالت: ـ كنت هحاول أحافظ على نفسي أكتر، وأطلب حقي من غير ما أضيع عمري في الانتظار. لكن الزمن ما بيرجعش، وإحنا نقدر نتعلم من اللي فات عشان ما نكرروش.
حضنتها بقوة، وقلت: ـ أنا بحبك يا ماما.
ردت: ـ وأنا بحبك يا نور عيني.




