عام

حكايات زهره الربيع 2

سمر لما لقيت إن كل حيلها اتكشفت والتسجيل أدينها قدام الكل، ملامحها اتغيرت خالص، واتحولت من الخوف للشر الصريح. وقفت بصلابة وقالت لهم بقلة أدب وغل:

— «أيوة أنا! أيوة عملت كده! لأنكم بيت استغلالي! فاكرين إن سمر خدامة أباطكم؟! فاكرين إن سمر تفضل تطبخ وتنضف وتسكت وحماكم يكتب العقود والشقق باسم خالد وأخوه الصغير ويسبنا إحنا مالناش قيمة؟! أنا أخدت حقي بطريقتي، ومش هتقدروا تعملوا معايا حاجة!»

محمود بص لخالد وقال له بصوت حاسم:

— «اتصل بـ “سامح” أخونا الكبير.. خليه يجي فوراً من شغله عشان يشوف مراته المصونة كانت بتعمل إيه في البيت!»

وبالفعل، اتصل خالد بـ سامح اللي جه يجري وهو مش فاهم إيه المصيبة الجديدة. ولما قعد في الصالة وسمع التسجيل بنفسه، وسمع اعتراف سمر المباشر، سامح وقفت الدموع في عينيه من الخزي والعار. بص لمراته اللي عاش معاها سنين وكان فاكرها الست الصالحة، وقال لها بصوت هادي بس يرعب:

— «أنتِ مش بس طالق يا سمر.. أنتِ هتمشي معايا دلوقتي حالا على بيت أهلك، وقبل ما نوصل هكون عامل فيكي بلاغ في النيابة بتهمة الشروع في قتل أمي مع سبق الإصرار والترصد!»

سمر صرخت لما سمعت سيرة النيابة والشرطة:

— «نيابة إيه وبلاغ إيه؟! أنت بتهددني يا سامح؟! لو فتحت فمك أنا هفضحكم وهجيب عيلتي كلها تقف في وشكم!»

سامح مسكها من دراعها بقوة وخرج بيها على السلم وهو بيقول لها:

— «اعملي اللي تعمليه.. القانون بيننا يا خائنة يا مريضة!»

البيت فاضي ونظيف من الشر، بس الحزن والكسرة كانوا مغطيين كل شبر في المكان. محمود قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه وهو بيعيط بحرقة على مراته أميرة اللي ظلمها وطلقها وطردها في نص الليل بسبب ألاعيب سمر، وخالد واقف جنبه بيطبطب عليه ومكسور عشان أمه اللي كانت بتبلع السم وهي فاكراه حب وحنية.

أنا قربت من محمود وقلت له بصوت هادي:

— «يا محمود.. أميرة كانت غلطانة إنها سمعت لـ سمر وحطت المسهل في الأول، بس هي ما كانتش عايزة تقتل حماتي، وكانت ضحية لغل سمر.. روح رجع مراتك واستسمحها واستسمح أهلها قبل ما الوقت يفوت.»

محمود بصلي بامتنان وقال لي:

— «سامحيني يا هالة.. سامحيني إننا ظلمناكي وشككنا فيكي وفي أصلك ونضافتك.. أنتِ طلعتي أنضف واحدة في البيت ده كله.»

عدت الأيام، ورجعت حماتي من المستشفى بعد ما الدكاترة عملوا لها غسيل معدة وعلاج مكثف وجسمها بدأ يرد. عرفت باللي حصل كله، وبكت بكاء شديد على اللي سمر عملته، بس حمدت ربنا إن الحقيقة بانت وإن بيتنا اتقفل على النضافة. محمود راح جاب أميرة ورجعها بعد ما اعتذر لها ولأهلها، وأميرة جالي لحد عندي وبكايات على رجلي تطلب مني المسامحة، وأنا سامحتها عشان خاطر سلام البيت.

أما سمر، فالقضية مشيت ضدها وأهلها لما عرفوا اللي عملته بالدليل والتسجيل اتخلوا عنها ومحدش قدر يدافع عن الشروع في .

مرت شهرين كاملين، والحياة بدأت ترجع لطبيعتها الهادية. البيت بقى رايق، وأنا وأميرة بقينا بنطبخ سوا بإيد واحدة وبحب صريح من غير غل ولا غيرة.

لحد ما في يوم.. كنا قاعدين بنفطر كلنا على السفرة الكبيرة، وحمايا بيوزع الشاي علينا بعد الأكل. فجأة، حمايا حط الكباية من إيده، وبص للكل بنظرة جدية وخطيرة أوي، وطلع من جيب جلابيته ظرف أصفر كبير ومختوم بختم النسر والمحكمة!

حمايا حط الظرف في نص السفرة وقال بصوت هز البيت كله:

— «بما إن البيت بقى نضيف ومفيش بيننا خاينين.. جه الوقت اللي تعرفوا فيه السر الحقيقي اللي أنا مخبيه عنكم كلكم من 20 سنة.. السر اللي بسببه سمر كانت بتدور في الخزنة، والسر اللي هيغير حياة كل واحد قاعد على السفرة دي للابد!»

اتجمّعت العيلة كلها في صالة الشقة الكبيرة بعد الفورة اللي أحدثتها المفاجأة الأولى. الباب كان مقفول بالضبة والمفتاح، والهدوء خيّم على المكان بشكل يرعب. حمايا كان قاعد على رأس الترابيزة، حاطط إيديه الاثنين على العقد القديم والخرائط المساحية اللي أثبتت إن ملكية الأرض المقام عليها بيت العيلة والمحلات التجارية بترجع لأبويا أنا، وأن العيلة عاشت السنين دي كلها بتستغل رزق مش رزقها.

خالد كان واقف في نص الأوضة مش قادر يرفع عينيه في عينيا. الخجل والكسرة كانوا باينين على وشه، أما محمود وأخته عايدة فكانوا قاعدين مذهولين، مش مستوعبين إن البنت اللي دخلت البيت ده ككنّة غريبة، طلعت هي المالك الحقيقي لكل شبر بيمشوا عليه، وإن أبوهم كان مجرد وصي على أمانة ردّها صاحبها قبل ما يموت.

حمايا بصلي بدموع حبسها بالعافية وقال بصوت جهوري:

— «هالة يا بنتي.. أنا كده أديت الأمانة لأصحابها، وبرأت ذمتي قدام ربنا قبل ما ألقاه. الأرض دي والمحلات اللي تحت باسمك أنتِ رسمياً من بكرة، ومن حقك تتصرفي فيها زي ما أنتِ عايزة.. حتى لو قررتِ تخرجينا كلنا من البيت ده!»

البيت كله سكت، وكانت العيون كلها متجهة ناحيتي بانتظار رد فعلي. هل حُكم السنين والظلم والاتهامات اللي طالتني في الأول هيخليني  الكل؟

أنا بصيت لحمايا اللي كان زي الأب الرحيم، وبصيت لحماتي اللي دموعها نازلة على خدودها وخايفة من المجهول، ثم بصيت لـ خالد جوزي اللي وقفته جنبي وحبه لي كان السند الوحيد في أصعب الأوقات. قمت من مكاني، وقربت من حمايا ومسكت إيده وقبلتها قدام الكل وقلت بصوت ثابت:

— «يا عمي.. أنت حظيت بالأمانة وصنتها، والبيت ده بيتي بوجودكم فيه مش بالورق والعقود. الأرض دي رزق ربنا لينا كلنا، وعمر هالة ما تكون سبب في تشتيت بيت عيلة آواها وأكرمها. المحلات والبيت يفضلوا زي ما هما، والخير اللي طالع منهم يتوزع بالعدل على خالد وإخواته زي ما كنت بتعمل وأكتر.»

في اللحظة دي، حماتي صرخت من الفرحة وجريت عليا حضنتني وهي بتدعيلي بدموع قلبها، وخالد قرب مني وعينيه مليانة فخر وحب مش محدود، ومحمود وعايدة استسمحوني تاني وهم حاسين بضآلة نفوسهم قدام الكرم ده.

مرت الأيام، واتسجلت العقود رسمياً، ورجع الاستقرار لبيت العيلة بشكل أقوى من الأول. أميرة سلفتي اتعلمت الدرس تماماً وبقت أقرب صديقة ليا، وبقينا نتعاون في كل حاجة بصفاء نية وحب حقيقي.

لكن بعد مرور ستة أشهر كاملة على الأحداث دي.. وفي يوم جمعة دافي، كانت العيلة متجمعة على الغدا في جو مليان بهجة وضحك. فجأة، سمعنا صوت خبط شديد وسريع على باب  البراني! خبط متواصل وبأسلوب هستيري يعكس إن فيه  جاية من برة!

خالد قام بسرعة يفتح الباب وهو مستغرب، ولما فتح.. اتفاجئنا جميعاً بشخص واقف على العتبة، هدومه مبهدلة، وشه شاحب زي الأموات، وبيتنفس بصعوبة كأنه كان بيجري من غولة!

الشخص ده كان “سامح”.. الأخ الكبير لخالد، وجوز سمر اللي  ورماها بعد  !

سامح دخل الأوضة وهو بيترعش، وبص لأبوه ولخالد وقال بصوت متقطع يرعب القلوب:

— «الحقونا.. سمر! سمر خرجت من السجن بكفالة على ذمة القضية.. ومش جاية تطالب بحق ولا جاية تستسمح.. سمر اتجمعت مع ناس خطر وجايين في الطريق دلوقتي عشان يهدوا البيت على دماغنا كلنا!!»

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى