روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

في اللحظة دي، خرج الدكتور وفي إيده تقارير المعمل، وملامحه كانت مليانة استغراب وحيرة شديدة.
جريت عليه أنا وسيد في نفس اللحظة:
– “خير يا دكتور؟! النتيجة إيه؟!”
الدكتور بص للتقرير، وبعدين بص لسيد، وبعدين بصلي أنا، وقال ببطء:
– “تحليل التوافق بتاع المدام هدى طلع غير متوافق بدرجة كافية.. وده طبيعي.”
سيد اتنفس بسرعة وقال بلهفة:
– “وعينتي أنا يا دكتور؟! أنا أبوه! التوافق طلع كام؟!”
الدكتور سكت ثواني، ونزل نظارته، وقال كلمة هزت أركان المكان:
– “تحليلك أنت يا أستاذ سيد… أثبت إنك أصلاً لديك عقم كلي وغير قادر على الإنجاب جينياً، وإنك مش الأب البيولوجي للطفل حمو!”
الكلمات نزلت زي الصاعقة.
أم سيد حطت إيدها على بقها وصرخت.
سيد عينيه برزت لورا، وبصلي بذهول ورعب لا يطاق:
– “إيه؟! إنتي… إنتي خنتيني يا هدى؟! حمو مش ابني؟!”
أنا اتسمرت في مكاني. عقلي اتوقف تماماً عن التفكير. أنا عمري ما لمست راجل غير سيد! إزاي الدكتور يقول كده؟! إزاي التحليل يثبت إني مخلفة من حد تاني وأنا عشت ثلاث سنين لوحدي بربي ابني بعرق جبيني وما عرفتش غيره؟!
ضحكت بانهيار كامل ودموعي نازلة، وصدمتي كانت أكبر من صدمة سيد نفسه.
وفجأة، وبدون أي مقدمات، الباب الخلفي للطرقة اتفتح، ودخل منه راجل بلبس أنيق جداً، ومعه محامي وأوراق رسمية…
الراجل بص للمستشفى كلها، ولما شافني، قرب بثبات وقال بصوت قاطع أمام الجميع:
– “يا دكتور… التحاليل مظبوطة. سيد مش أبوه.. لأن العينة اللي اتخصبت بيها هدى من ثلاث سنين في مركز الحقن المجهري، حصل فيها تبديل خطأ طبي، والولد ده… هو ابني أنا!”
الصدمة شلت حركة الجميع في الطرقة. سيد بص للراجل بشرود وذهول كأنه يتلقى ضربات متتالية على رأسه، وأم سيد سقطت على الأرض مغشيًا عليها من هول المفاجأة.
الرجل الأنيق قرب مني، ونظرة الحزن والشفقة في عينيه كانت واضحة. أخرج كارنيه وثائق رسمية وقال بصوت هادئ ومستقر:
– “أنا الدكتور شريف… من ثلاث سنين، أنا وزوجتي الله يرحمها كنا بنعمل عملية حقن مجهري في نفس مركز التحاليل اللي إنتي وسيد روحتوه. زوجتي توفيت بعد العملية بأيام، والمركز بلغني وقتها إن العينة لم تنجح… لكن من أسبوعين بس، المستشفى بلغتني بتسريب خطير وتحقيق جنائي يكشف إن العينات اتأثرت بتبديل خاطئ في الأنابيب بين عيّنتي وعيّنة سيد!”
سيد وقف قدامه وهو بيقول بصوت مكسور:
– “إنت بتقول إيه؟! ده ابني! ده شبه أبويا!”
شريف بص له بجمود وهدوء:
– “الأوراق والتحاليل والـ DNA بين إيدين الجهات الرسمية يا سيد.. إنت أصلاً عقيم والمركز غطى على غلطته زمان بالاتفاق مع أمك ومراتك لما زوروا التحاليل.. حمو ابني أنا، ابني اللي ربنا عوضني بيه بعد سنوات حرمان وصبر.”
الدموع جمدت في عيني. كنت واقفة في النص بين راجل رماني وظلمني ودمر حياتي، وبين راجل غريب أثبت العلم إنه أب ابني الحقيقي!
شريف التفت للدكتور وقال بثبات:
– “يا دكتور، أنا أهو.. اسحب مني عينة فوراً واعمل تحليل التوافق مع ابني حمو، أنا جاهز للنخاع، وجاهز لأي حاجة تتطلبها حياته.”
الدكتور أخد شريف فوراً لغرفة العينات. سيد قعد على الأرض بيعيط بحرقة وهستيريا، وهو حاسس إن كل حاجة بناها من ظلم وغرور اتهدمت فوق رأسه، أمه اللي ضيعته، ومراته اللي خدعته، وحبه الوحيد اللي ظلمه وطفله اللي اتمناه طلع مش ابنه!
مرت ساعات قليلة كانت أطول من العمر كله…
خرج الدكتور وشه بيبرق بالأمل:
– “الحمد لله! التوافق بين الدكتور شريف وحمو طلع 100%! النخاع متوافق تماماً وزرع النخاع هيتم حالاً والأمل في شفاء حمو الكامل كبير جداً!”
في اللحظة دي، حست روحي رجعتلي. وقعت على ركبي وبكيت بكاء شديد، بس المرة دي كانت دموع فرج وشكر لله.
بعد مرور ستة أشهر…
الحياة اتغيرت تماماً. حمو خف ورجعت لوشه الضحكة والوردية، وبقى تحت رعاية طبية ممتازة بدعم ووجود الدكتور شريف، اللي أثبت كل يوم إنه مش بس أب في الأوراق، ده كان السند والحماية اللي اتحرمنا منها.
سيد وأمه وصباح والدكتور المزّور مقضين حياتهم بين أروقة المحاكم بتهم التزوير والإهمال الطبي والابتزاز. سيد خسر كل ثروته، وصار يعيش في حسرة وألم يسوقه الندم على يوم رمى فيه ظلمه على المظلومين.
كنت واقفة في حديقة البيت، شايفه حمو بيلعب وبيجري ووراها شريف بيبتسم له ويحضنه.
سيد افتكر إني أرض بايرة، وربنا أثبت إن الأرض الطيبة ما بتطرحش غير الخير… بس للناس اللي تستاهل.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى