روايات وقصص

مرات ابني بصتلي في وشي2

سندت إيدي على حرف الترابيزة وبصيت لحسين بابتسامة هادية: “يعني يا حسين، أبوك الله يرحمه سجل نص الأرض دي باسم ‘حبيبة’ اختك المسافرة في ألمانيا من وهي عندها 18 سنة.. بعقد حظر تصرف واستثمار مشروط، ميتفكش إلا بإمضتي أنا شخصياً، أو لما هي بنفسها تنزل مصر وتطالب بيه.”

حسين اتسعت عينيه بذهول: “حبيبة؟ اختي؟ بس شاهيناز وسامح السمسار كانوا مقتنعين إن الملكية كاملة ليكي، وإنك لو كبرتِ أو وافقتِ على التنازل، البيعة تتم فوراً!”

رد المحامي جمال وهو بيبتسم ابتسامة ثقة: “وده بالضبط الفخ اللي وقع فيها الأستاذ سامح والأستاذ محمود. هما اعتمدوا على سكرين شوتس وبيانات قديمة من السجل العقاري قبل تحديث الملكية، وافتكروا إن الحاجة فاطمة لوحدها في الحجة. فلما الأستاذ سامح حاول امبارح بالليل يرفع طلب ‘استعلام وأولوية شراء’ بناءً على الإيميل والتفويض المزور اللي شاهيناز وعتهوله، السيستم المركزي ضرب أنلارم فوراً، لأن الاسم المقيد للشريك الثاني ملوش أي توكيل بالبيع!”

في اللحظة دي، تليفوني اللي على السفرة هز برنة واتساب.

كانت مكالمة فيديو من ألمانيا.. من “حبيبة”.

فتحت السبيكر وحطيت التليفون في نص الترابيزة. ظهر وش حبيبة على الشاشة وهي بتضحك ولابسة بالطو الشتا بتاعه برلين:

“صباح الخير يا تيتة البيت! إزيك يا حسين؟ بشرني.. الضيوف الـ 25 اتفضلوا مشكورين ولا لسه بيفكروا مين هيغسل الأطباق؟”

حسين بص للشاشة ومش مصدق: “حبيبة؟ أنتِ على علم بكل ده؟”

حبيبة نبرة صوتها اتغيرت للجدية والصرامة: “يا حسين، ماما كلمتني من ثلاث أسابيع أول ما بدأت تلاحظ السحوبات الغريبة من حسابك، ولما لقيت هوس شاهيناز بأخوها وبسامح السمسار بيزيد. أنا اللي طلبت من الأستاذ جمال يراقب تحركات سامح في الشهر العقاري خطوة بخطوة. شاهيناز مكنتش بس عايزة تأجر الفيلا أو تأخد مقدم الشقة.. شاهيناز وأخوها كانوا مرطبين على وثيقة رهن عقاري مستترة بقيمة 3 مليون جنيه باسم أخوها محمود، وكانوا ناوين يلبسوك أنت في أقساطها بعد ما يخرجوا ماما من البيت بحجة إنها تعبانة ومحتاجة رعاية في مكان هادي!”

حسين حط إيديه الاثنين على رأسه، وجسمه كله كان بيفز من البكاء والصدمة. مراته اللي عاش معاها سنين، وشال أصلها وفصلها، كانت بتخطط لتدمير حياته وحياة أمه بالكامل، ومش بس عزومة عيد وتطفيش!

المحامي جمال وقف وقال بثبات: “دلوقتي يا أستاذ حسين، إحنا قدامنا خطوتين قانونيتين ملهمش ثالث:

الأولى: تقديم البلاغ الرسمي بالتحويلات المزورة ومحاولة النصب العقاري ضد محمود وشاهيناز وسامح، وده هيوديهم في جرسة ومحاكمة جنائية مباشرة.

الثانية: إن الفلوس اللي اتسحبت من حسابك (الـ 450 ألف جنيه) ترجع خلال 48 ساعة بشيك مقبول الدفع، مع توقيع شاهيناز على إقرار تنازل كامل ورسمي عن أي حقوق أو القايمة وتسليم كل شيء بالهدوء، ويتم الطلاق الشفهي والرسمي فوراً.”

حسين رفع راسه، عينيه كانت حمرا من الدموع لكن فيها استرداد لكرامته ولوعيه اللي كان غايب.

بصلي وقال: “القرار قرارك أنتِ يا ماما.. أنا خلاص ماليش رأي بعد اللي عملته.”

مسكت إيد حسين وضغطت عليها بقوة: “القرار يا حسين مش انتقام.. القرار حماية. الفلوس ترجع، والورق يتوقع، والباب ده يتقفل للأبد.”

وقبل ما المحامي يلم أوراقه عشان يبدأ الإجراءات، تليفون حسين رن بصوت عالٍ جداً.

اسم المتصل على الشاشة كان: “فايزة – أم شاهيناز”.

حسين بص للتليفون، وبصلي..

فتحت السبيكر، وجاء صوت فايزة المرة دي مش بالتبجح والتعالي بتوع الصبح.. صوتها كان مفزوع، بتصرخ وتستغيث:

“لحقنا يا حسين! الحقنا يا بني! محمود أخو شاهيناز اتقبض عليه في الكماين اللي على طريق المعادي وممسوك بشنطة فيها أوراق السجل العقاري والمبالغ المزورة.. وسامح السمسار قافل تليفونه ومختفي! شاهيناز مرمية في الأرض وبتصرخ.. ارجوك يا حسين كلم أمك تتنازل! البيت هيتخرب!”

ساد الصمت في الصالة لحظات بعد صوت صراخ “فايزة” اللي كان طالع من سبيكر التليفون. حسين بص للموبايل اللي في إيده بثبات غريب، كأن الصدمة الأخيرة دي كانت هي نقطة النهاية اللي قطعت آخر عرق للتسامح جوا قلبه.

قفل السبيكر، ورفع التليفون على ودنه وقال بصوت هادي، أبرد وأصلب من كل المرات اللي فاتت:

“اللي يمشي في طريق الشمال يا طنط، يتحمل آخره. محمود أخوكي هو اللي حط نفسه في الكماين، وسامح اللي جري وسابكم هو اللي أنتم اختارتوه عشان تبيعوا بيه بيتنا. القانون ياخد مجراه.. وسكتنا بعد كده مش في الصوالين، سكتنا في المحاكم.”

وقفل السبيكر في وشها قبل ما تنطق بحرف تاني.

المحامي جمال ابتسم ابتسامة رزانة، ولمّ الدوسيه والأوراق من على الترابيزة وقال: “كده تمام يا أستاذ حسين. البلاغ اللي كنا مقدمينه إمبارح بالليل تحرك رسمي، ومحمود حالياً بيتطلب منه إثبات مصدر أوراق الشهر العقاري المزورة. الفلوس اللي اتسحبت من حسابك هتجمد قانونياً وسترجعلك بالكامل، وشاهيناز مالهاش أي منفذ للهروب غير إنها توقع التنازل ورسائل إخلاء الطرف.”

بعد ما المحامي استأذن ومشي، الصالة رجعت هادية تماماً.

ريحة العيد الحقيقية بدأت ترجع للمكان.. ريحة البسبوسة، والهدوء اللي اتعودت عليه جدران بيت المعادي من سنين طويلة.

حسين جه وقعد تحت رجلي على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه. طبطبت على كتفه بالراحة وقلتله: “ربنا بيحبك يا بني إنه كشفلك المستور قبل ما تضيع عمرك وفلوسك في وهم. البيت ده اتبنى بالحلال، والحلال عمره ما يتهد بحيلة.”

رفع راسه وابتسم ابتسامة مكسورة بس فيها راحة، وقال: “عندك حق يا ماما.. العيد ده فعلاً كان شايل مفاجأة، بس مفاجأة نظفت حياتي ونظفت البيت.”

على المغربية، الشارع في المعادي كان رجع لمنظره الجميل. أنوار الشجر منورة، والهواء الساقع بيدخل من الباب المفتوح، وصوت ضحكات الأحفاد وهم راجعين مع أختهم “حبيبة” من المطار مالية الجنينة بره.

وقفت في المطبخ، مسكت فوطة المائدة، وطبقتها بثبات.. المرة دي مش بغضب، لكن براحة بال وأنا ببتسم وبقول لنفسي:

“العيد جه في معاده.. وبيتي يفضل طول عمره صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى