روايات وقصص

حكايات ندى الجمل 1

سلفتي كانت بتعايرني بخلفة البنات… وكانت كل ما تشوفني تنادي على واحد من ولادها وتضحك وهي بتقول: “يا واد… بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته الحلوة اللي فوق دي.” كنت كل مرة أسمع الكلام ده وأسكت… وأقول يمكن ربنا يهديها. أنا أم لأربع بنات، وربنا ما رزقنيش أنا وجوزي بولد، لكن والله رزقنا ببنات متربين أحسن تربية، متعلمين أحسن تعليم، وبيتنا كله حب وراحة. ربنا كرم جوزي في شغله، وعايشين الحمد لله في خير من فضله.

أما سلفتي… فرغم إن ربنا رزقها بثلاثة ولاد، عمرها ما كانت مرتاحة. جوزها عصبي وطباعه صعبة، ومع ذلك كانت شايفة إن مجرد إن عندها ولاد يخليها أحسن مني.
كانت أول ما تشوفني تقول بصوت عالي قدام الناس: “أهي أم البنات وصلت!” وأوقات تانية تقول: “يا خايبة… معرفتيش تجيبي حتى عيل يفرح قلب جوزك.” وتكمل وهي بتبص على بيتي: “جوزك هيضيع العمر ده كله، وفي الآخر العز ده هيروح للبنات ويضيع.”
كل كلمة كانت بتوجعني… لكن عمري ما رديت عليها، لأني كنت مؤمنة إن الأيام هي اللي بترد، وربنا عمره ما بيضيع حق حد.
في كل مرة كانت هناء تنزل من شقتها، كانت تسمع نفس الجملة اللي بقت تحفظها عن ظهر قلب.
نجلاء، سلفتها، كانت واقفة على باب شقتها، أول ما تشوفها تنادي على ابنها الكبير:
— “يا كريم… تعالى يا حبيبي. بص… بكرة عمك أحمد يموت ونطلع نقعد في شقته الحلوة اللي فوق دي.”
وتضحك بصوت عالي، كأنها بتقصد إن هناء لازم تسمع.
هناء كانت تبتسم ابتسامة باهتة وتمشي، ولا كأنها سمعت حاجة.
لكن جواها… كانت كل كلمة بتوجع.
مش عشان نفسها…
عشان بناتها.
كانت أم لأربع بنات: مريم، وحبيبة، وجنى، وملك.
ربتهم أحسن تربية، وعلمتهم في مدارس كويسة، وبيتها كان مليان حب وهدوء.
وجوزها أحمد كان راجل ناجح، ربنا فتحها عليه في شغله، وعمره ما حسسها يوم إن عدم إنجاب ولد كان نقص.
كان دايمًا يقول لها:
— “أنا ربنا رزقني بأربع نعم… وكل واحدة فيهم بالدنيا.”
لكن نجلاء كان عندها رأي تاني.
كانت كل ما تقابل هناء تقول بصوت يسمعه اللي رايح واللي جاي:
— “أهي يا أم البنات.”
ولو لقت حد واقف، تكمل وهي تضحك:
— “يا خايبة… معرفتيش تجيبي حتى عيل يفرح قلب جوزك.”
وأوقات تبص على شقة أحمد الواسعة وتقول:
— “كل العز ده هيروح للبنات… وفي الآخر هيضيع.”
هناء كانت بتسكت.
مش ضعف…
لكن لأنها كانت مؤمنة إن ربنا شايف كل حاجة.
أما أحمد، فكان كل ما يعرف بالكلام ده يغضب جدًا.
لكن هناء كانت تمسك إيده وتقول:
— “سيبها يا أحمد… الأيام عمرها ما سابت حد.”
وكل مرة كان يرد عليها:
— “أنا مستني اليوم اللي تعرف فيه إن البنت نعمة… ويمكن تكون سند أكتر من ألف ولد.”
لكن محدش كان يعرف…
إن الأيام كانت فعلًا بتحضر مفاجأة كبيرة، ومش لهناء وبناتها بس…
لـ نجلاء نفسها، والوجع هييجي لها من أقرب الناس لقلبها.
حكايات‌‌‌‌_ندى‌_الجمل
في يوم الجمعة، كانت العيلة كلها متجمعة عند الحاج عبدالرحمن، والد أحمد وسيد.
البيت كان مليان دوشة، والأحفاد بيجروا في كل حتة.
كانت ملك، أصغر بنات هناء، قاعدة جنب جدها بتقراه من المصحف بصوت هادي، بينما مريم كانت بتحضر الشاي، وحبيبة وجنى بيساعدوا في تجهيز الغدا.
الحاج عبدالرحمن بص لهم بابتسامة وقال:
— “ربنا يباركلي فيكم يا بناتي… والله إنتوا زينة البيت.”
قبل ما هناء ترد، دخلت نجلاء وهي بتضحك وقالت بسخرية:
— “أهو كله بنات… لكن في الآخر اسم العيلة هيقطعه مين؟”
سكت المكان كله.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى