
تكة الخشب في الصالة تبعها صوت خطوات سريعة ومكتومة، كأن حد بيتسحب على طراف صوابعه. قفلت غطا اللاب توب بهدوء ومن غير ما أطلع أي صوت، وحطيت الدوسيه الأزرق تحت مفرش الترابيزة في ثانية.
تلفتت لقيت شاهيناز واقفة عند باب المطبخ، لابسة الروب وبتمثل إنها جاية تجيب كوباية مية. عينيها كانت بتلمع وهي بتبص على اللاب توب المقفول وعلى إيدي اللي لسه ساندة على الرخامة.
ابتسمت نفس الابتسامة الباهتة وقالت بصوت واطي: “لسه صاحية يا طنط؟ افتكرتك نمتي.. أصل حسين نام من كتر التعب، وأنا قلت أنزل أشرب.”
قمت وقفت بثبات، وبصيت في عينيها مباشرة: “لا صاحية يا شاهيناز.. أصل نومتي بقت خفيفة أوي الفترة دي، خصوصاً لما بحس إن فيه حركة مش طبيعية في البيت.”
اتوترت لحظة، ونظرتها راحت لرف المطبخ اللي بحط عليه المفاتيح والأوراق، وبعدين قالت وهي بتملى كوباية المية: “على فكرة، حسين زعلان منك جداً.. مش أسلوب ده تكسفينا بيه قدام عيلتي، هما في الآخر قرايب ابنك برضو.”
رديت عليها بنبرة أبرد من مية التلاجة: “ابني يزعل لما أكون ظلمته، لكن لما مراته تتصرف في بيتي كأنه ورث أبا عن جد وهي لسه عايشة فيه بالإيجار الأدبي، يبقى لازم يفوق. وبعدين صحيح.. بمناسبة القرايب، هو الأستاذ سامح بتاع العقارات من بقية عيلتك برضو؟ ولا ده من قرايب أطفيح؟”
الكوباية اتزحزحت من إيدها الكادت تقع، والمية اندلقت على الرخامة. وشها اتخطف ولونها اصفرّ، وبصيتلي بذهول كأنها شافت عفريت.
“سـ.. سامح؟ أنتِ عرفتي اسمه منين؟”
سيبتها واقفة بدمها، ومشيت خطوتين ناحية الصالة، وقبل ما أطلع السلم ملتفتش ليها وقلت: “البيت ده يا شاهيناز أنا بنيته أطوبة أطوبة مع أبو حسين الله يرحمه.. الحيطان هنا بتسمع، والورق مابيكدبش. تصبحي على خير.. قدامك ليلة طويلة عشان تجهزي لـ ٢٥ فرد.”
طلعت أوضتي وقغلت الباب. قعدت على السرير وقلبي بيدق بثبات. الورق اللي في الدوسيه الأزرق كان واضح وزي الشمس:
مقدم شقة التجمع اللي حسين اتدبس فيه وشال قسطه، مكنش شقة ليهم هما الاثنين.. ده كان تنازل مبدئي باسم “محمود”، أخو شاهيناز!
وششاهيناز كانت متفقة مع “سامح”، السمسار، إنه يستغل كبر سني ويقنع حسين إن البيت ده كبيييير عليا ومحتاج مصاريف صيانة ضخمة، فيتعرض للبيع أو تتاخد منه حصة تتأجر لحساب أخوها، تحت مسمى “استثمار عائلي”!
أما “فايزة”، أم شاهيناز، فكانت هي اللي ممشية الليلة كلها ومجمعة الـ ٢٥ فرد دول عشان ييجوا يقعدوا في البيت في العيد، فرض نظر وأمر واقع، ويتحول البيت لمركز قيادة ليهم، تمهيداً لأنهم يزهقوني وأسيبهولهم وأمشي!
ثاني يوم الصبح، الساعة ٨:٠٠ الصبح.
صحيت على صوت دوشة وترزيع في المطبخ. شاهيناز كانت نازلة تنظيف وتحضير وهي بتتحطم وتتأفأف، وحسين واقف جنبه محتار ومش عارف يعمل إيه. أول ما شافني نازلة على السلم، أسرع ناحيتي وقال: “ماما.. ارجوكي، بلاش نكبر الموضوع.. شاهيناز اتصلت بأخوها محمود وأمها طنط فايزة وهما في الطريق خلاص، ومفيش وقت نغير أي حاجة.”
قعدت على سفرة الصالون بهدوء، وطلعت نظارة القراءة.
قلتله: “تقعد يا حسين.”
قال وهو قلقان: “يا ماما الورق اللي في إيدك ده إيه؟”
في اللحظة دي بالذات، جرس الباب rن برنة طويلة ورخجة.
شاهيناز جرت تفتح الباب وهي بتنادي: “تعالوا يا جماعة.. اتفضلوا! البيت بيتكم!”
دخلت “فايزة” بجلبيتها الشيك وطرحتها العريضة، ووراها “محمود” شايل شنط وثلاثة من عيال أختها بيجروا ويزعقوا في الصالة كأنهم في ملاهي. ووراهم بدأ يدخل بقية الفوج.. شنط، وكراتين، وصوت ضحك عالٍ مالى المكان.
فايزة أول ما شافتني قاعدة، قربت بابتسامة متصنعة وقالت: “إزيك يا حجة.. كل سنة وأنتِ طيبة! معلش بقى جينا نتقل عليكِ في العيد، بس شاهيناز قالتلي إن البيت واسع والبركة فيكِ.”
محمود حدف الشنط في نص الصالون وقال وهو بيبص لسقف Villa المعادي بجلع: “ما شاء الله.. المساحة دي يشيلها ثلاث عيلات مستريح! ده سامح كان بيتكلم صح والله.”
حسين بص للأرض وهو مش قادر يحط عيني في عيني. شاهيناز كانت واقفة ورا أمها وبتبصلي بتحدي، كأنها بتقولي: “أهو الأمر الواقع حصل.. وريني هتعملي إيه قدام ٢٥ بني آدم!”
حطيت النظارة على الترابيزة، وقفت بالراحة، وبصيت لفايزة ولمحمود ولشاهيناز، وقلت بصوت جهوري مسموع في الصالة كلها:
“أهلاً وسهلاً بيكوا.. أنتم منورين. بس قبل ما حد يشيل شنطته ويطلع بيها على فوق، وقبل ما شاهيناز تدخل المطبخ تكتشف إن مفيش ولا حبة رز واحدة في البيت للأكل.. لازم الأستاذ حسين والأستاذ محمود يسمعوا الإيميل اللي جالي الساعة ١١ بالليل من مكتب الأستاذ سامح للخدمات العقارية!”
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. شاهيناز وشها اتقلب أبيض زي الفراخ المسلوقة، وفايزة حطت إيدها على صدرها وهي بتبص لابنها بريبة.
كملت وأنا بفتح الدوسيه الأزرق وبطلع منه الورقة الأولى: “أصل العيد ده مش مجرد عزومة أكل وشرب.. العيد ده فيه بيع وشراء، وفيه فلوس مقدم اتدفعت من دم ابن حسين عشان تروح باسم محمود.. وفيه بيت هيتقسم من غير صاحبته ما تدرى!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



