
الراجل بص لعبد الله بنظرة احتقار خلته يسكت فوراً: “لو بتحبها يا ابني، ما كنتش سبت أمك وأخواتك يكسروا نفسها كل يوم. الراجل اللي ما يحميش مراته في بيته، ما يستاهلش تخدمه يوم واحد. زينب مش هترجع البيت ده تاني. ولو هي طلبت الطلاق، فأنتم اللي جبرتوها عليه. الشنطة اللي جابتهامعاها هي كل اللي طلعت بيه من عزكم، وبنتي بكرة الصبح هتنزل تشتغل في مصنع الغزل اللي في أول الحارة، وهتأكل بنتها من عرق جبينها ورأسها مرفوعة فوق.”
زينب قربت وقالت بنبرة محددة حاسمة: “يا عبد الله.. ورقة طلاقي تجيلي بكرة، وإلا رفع قضية خلع، وأنت عارف إن الحق معايا والموجهين والشهود موجودين في الحارة كلها وشايفين حالتي لما كنت بنزل السوق. بنتي هتعيش معايا، ومصروفها هيدفع بالقانون، ومش هتشوفوها تاني غير لما تكبر وتعرف مين اللي صانها ومين اللي أهانها.”
أنا وقفت متجننة، كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا. الست اللي كنت فاكراها مكسورة وجناحها مائل، واقفة قصادي بقمة القوة، وأبوها الفقير واقف ظهر ليها زي الجبل، مش خايفين من الفقر ولا خايفين من كلام الناس.
“أنتم فاكرين نفسكم مين؟” صرخت وأنا بخرج من الباب، “هنشوف المصنع ده هيأكلكم إيه! بكرة تدور الأيام وتعرفوا قيمة النعمة اللي رفستوها برجليكم!”
زينب قفلت الباب في وشنا بالراحة من غير ما ترزع، صوت القفلة كان زي حسم الأجل.
رجعت البيت وأنا بغلي، بس المفاجأة كانت في البيت لما رجعنا. البيت كان قايم فيه حريقة. سلايف زينب كانوا بيتخانقوا في المطبخ، نجوى صرخت في التانية لأن مفيش حد عايز ينضف الصواني ومفيش حد عايز يطبخ للعيال. العشاء ما اتعملش، والبيت بقى مقلوب زبالة وكراكيب.
ولادي الكبار قعدوا في الصالة يزعقوا: “هو مفيش أكل في البيت ده ولا إيه؟ هي زينب راحت فين؟”
نجوى صرخت فيهم: “وأحنا مالنا؟ إحنا مش خدامين حد! روحوا هاتوا خدامة بفلوس تنضف لكم وسادتكم!”
في اللحظة دي، بصيت لعيال ولادي اللي كانوا بيلعبوا في الصالة، وبصيت للأرض اللي مليانة قشر وورق، افتكرت كلمة زينب وهي طالعة: “الشارع أرحم من بيتكم”. وعرفت إن الهدوء اللي كان في البيت ده ما كانش بسبب شطارتي ولا بسبب قوة ولادي.. الهدوء ده كان شايلُه كتف واحد بس، ولما الكتف ده قرر يتنفض ويقوم، البيت كله بدأ يقع على رؤوسنا، والتمن الغالي كان لسه يبدأ يدفع.




