روايات وقصص

أنا وأخت جوزي حكايات رومانى مكرم 1

ـ أنت بتهزر يا أحمد؟! أنت اتجننت بجد ولا بتمثل؟! البط كان في الحوش وأنا كنت جوه في المطبخ بسخن المية بطلب من أمك! ريهام هي اللي كانت واقفة برة مع ابنها!

رد ببرود وقسوة قطعا قلبي:

ـ أمي مش كدابة.. وأختي في المستشفى وابنها بيتلقى العلاج، وأنتِ مش فارق معاكي غير نفسك! نامي يا هنادي، لأن الكلام لسه مخلصش، والشرطة هتيجي تسألنا الصبح.

تركني ودخل غرفة النوم وأغلق الباب بقوة، تاركني وحدي في الظلام مع ابنتي التي بدأت تبكي وكأنها تشعر بما يدور حولها من ظلم وجهل.

الصباح الحاسم.. ظهور المنقذ الحقيقي
في تمام الساعة الثامنة صباحاً، سمعت طرقات قوية على الباب الخارجي لشقتي، تلتها أصوات رجال شرطة يطلبون فتح الباب للتحقيق في بلاغ مقدّم من جدة الطفل بتهمة الإهمال المتعمد والتسبب في إصابة.

كنت أرتجف وأنا أحمل ملك، وفتحت الباب لأجد ضابط الشرطة يرافق حماي وأحمد، وكان وجه حماي غارقاً في الخجل ولا يستطيع رفع عينيه في عيني.

قال الضابط بجدية:

ـ مدام هنادي؟ فيه بلاغ مقدم ضدكِ من السيدة أم أحمد بتهمة التسبب في إصابة طفل عن طريق تحريك طائر. إيه دفاعك؟

فتحت فمي لأتكلم، وفجأة سمعت صوتاً قوياً من على السلم السفلي يتردد في أرجاء البيت:

ـ استنى يا باشا.. البلاغ ده باطل وكله كذب وافتراء!

التفتنا جميعاً لنرى من يصرخ، وكانت الصدمة الكبرى عندما ظهرت “سعاد”، جارتنا التي تسكن في البيت الموازي، والتي كانت تمر صدفة وقت الحادث، بل وكانت تقف في شرفتها المقابلة لحوش بيتنا تماماً!

دخلت سعاد إلى الشقة وقالت وهي تلتقط أنفاسها:

ـ أنا يا سيادة الضابط كنت واقفة في شرفتي وشايفه كل حاجة بالصوت والصورة، وكنت ناوية أنزل أشهد بشهادة حق لو ضميري مرني، وادي المحضر قدامي سمعت إن الشرطة جت فنزلت فوراً!

تنفس الضابط الصعداء وقال:

اتفضلي يا حاجة، احكي اللي شفتيه بالظبط.
قالت سعاد بكل ثقة:

ـ اللي حصل بالحرف، إن مرات الابن الغلبانة دي (هنادي) كانت جوه المطبخ بتسخن مية بناءً على طلب حماتها، وبنتها كانت نايمة جوه. وريهام هي اللي نزلت باعتت ابنها قدام البط، وفضلت تضحك وتستعرض قدام أبوها. والبطة الكبيرة فجأة اتحركت لأن ريهام ضايقتها بضحكتها وصوتها العالي، وست أم أحمد بدل ما تحمد ربنا، تصرفت بطريقة غير مقبولة وعايزة تلبس التهمة في الغلبانة مرات ابنها عشان تكرهها في البيت كله وتخلص منها! والمفاجأة الأكبر.. الكاميرا بتاعت المحل اللي قصاد البيت مسجلة الحادثة كاملاً بالصوت والصورة!

انهيار الجحيم وانقلاب الطاولة
ساد صمت تام في الشقة. نظر أحمد إلى حماه، ثم إلى جارتنا، وظهر الانكسار والخزي على وجهه بوضوح كالشمس. أما حماي، فوضع رأسه بين يديه وقال بنبرة مليئة بالندم:

ـ استغفر الله العظيم.. ولاد الحلال هم اللي بيظهروا الحق. سامحيني يا بنتي، أنا كنت مغمض عيني عن ظلم مراتي وبنتي.

التفت الضابط إلى أحمد وقال بحزم:

ـ البلاغ كيدي ومرفوض، ولو السيدة والدتك أصرت على الاتهمات الباطلة، هيتحقق معاها هي بتهمة البلاغ الكاذب وإزعاج السلطات. عن إذنكم.

خرجت الشرطة، وبقينا وحدنا في الصالون. نظر أحمد إليّ بعيون تلمع بالدموع، واقترب مني وهو يمد يده ليلمس كتفي وقال بصوت منكسر:

ـ هنادي.. أنا أسف. أنا كنت أعمى. سامحيني عشان خاطر بنتنا.

ابتعدتُ عنه خطوة للوراء، ومسحت دموعي بكل قوة وثبات، ونظرت إليه نظرة أخيرة خالية من أي خوف أو ضعف، وقلت له بصوت حاسم:

ـ الأسف مش بيصلح اللي انكسر يا أحمد. أهلك من أول يوم ولدنا فيه بنتي وهم بيذلوني، وأنت كنت بتطبطب على ظلمهم. أنا مش هقعد دقيقة واحدة في البيت ده.. اجهز وديني بيت أهلي، ووقتها لكل حادث حديث!

بداية حياة جديدة
بعد ساعتين فقط، كنت قد جمعت حقائب ملابسي وملابس ابنتي ملك، وخرجت من ذلك البيت الذي تحول إلى جحيم، وتركتهم جميعاً يواجهون عواقب قسوتهم وجحودهم.

ريهام عادت من المستشفى وابنها مصاب بأثر إصابة في وجهه ستظل تذكّرهم دائماً بأن الظلم لا يدوم، وحماتي جلست وحدها في الدور الأرضي بعد أن انقلب السحر على الساحر.

أما أنا، فدخلت بيت أبي وأمي مرفوعة الهامة، وأنا أحضن ابنتي الصغيرة التي أصبحت سنداً لي، وعرفت يقيناً أن حق المظلوم لا يضيع أبداً، وأن الله سبحانه وتعالى مهندس الأقدار العادل.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى