
هنا.. مكنش ينفع استنى ثانية واحدة.
فتحت باب البدروم ببطء، وطلعت زي السهم، ووقفت في ظهر الراجل الضخم اللي كان رافع رجله عشان يكسر باب الأوضة اللي جواتها مراتي وبنتي.
قبل ما يلتفت، نزلت بالماصورة الحديد على كتفه بقوة وحشية لدرجة إنه صرخ صرخة عالية وقعت في نص الصالة.
التفت التاني اللي كان ماسك سلاح ناري، وبص لي بذهول وغضب وقال:
– “أنت مين يا ابن الـ…”
قبل ما يكمل كلمته، كنت هجمت عليه، ودخلت معاه في. الأدرينالين كان مالي جسمي كله، مكنتش حاسس بأي وجع، كل اللي في دماغي إن عيلتي لازم تعيش. طار من إيده، بقمة غضبي لحد ما وقع على الأرض فاقد الوعي.
الراجل الأولاني قام وهو بيعوي من الألم، وطلع مطوة من جيبه ووجهها نحوي بوعيد:
– “ده انت ليلتك سودة.. هموتك بإيدي!”
هجم عليّ بالمطوة، وجرحت دراعي جرح عميق حسيت بسخونة بتنزل منه، بس مسكت إيده اللي ماسكة المطوة بكل قوتي، وضغطت عليها لحد ما صرخ وسابها تقع على الأرض، وخلصت عليه بضربة قوية أطاحت بيه على الكنب.
الصالة بقت هادئة تماماً، مفيش غير صوت أنفاسي العالية المتقطعة، وقطرات الدم اللي بتنقط من دراعي على الأرض.
جريت على باب أوضة النوم، فتحت الباب بالمفتاح، لقيت شيرين وجنا قاعدين في الكورنتر مرعوبين ومحضنين بعض وبيعيطوا. شيرين أول ما شافتني وعليّ آثار الدم والاشتباك، صرخت وجريت عليّ وهي بتترعش:
– “طارق! أنت اتجرحت! فيك إيه؟!”
بصيت لها بابتسامة متعبة بس فيها كل معاني الأمان، وقريت الفرحة والدموع في عيونها، وقلت بصوت متهدج:
– “مفيش حاجة.. انتهوا.. خلاص، مفيش حد هيقدر يقرب مننا تاني.”
نزلت لجنا اللي رمت نفسها في حضني وهي بتعيط: “بابا.. أنا كنت خايفة أوي!”
حضنتها بقوة، وبصيت لشيرين وقلت:
– “انزلوا تحت.. طلعوا أبويا من البدروم.. عصر جديد هيبدأ يا شيرين، عيلتنا اتجمعت خلاص، ومحدش هيقدر يفرقنا تاني أبداً.”
وقفت في نص الصالة المدمرة، باب الشقة مخلوع وواقع على الأرض، والاتنين واقعين على الأرض فاقدين الوعي. ريحة البارود والدخان الخفيف مالية المكان، وفي إيدي دراعي سخن، بس احساس النصر والارتياح كان أكبر بكتير من أي وجع.
بصيت لشيرين اللي كانت لسه مرعوبة وبتترعش، وجنا ماسكة في فستانها وبتعيط بعيون واخدة شكل الخوف.
– “شيرين، اهدي.. خلاص، الخطر انتهى مؤقتاً.” قلتها بصوت هادئ ومطمن وأنا باخد نفس عميق: “انزلي هاتي أبويا من البدروم.. طلعيه للنور فوراً، كفاية عليه سنين العتمة دي.”
شيرين هزت راسها بدموع الفرحة والخوف مع بعض، ونزلت جري على سلم البدروم. وبعد ثواني قليلة، طلعت وهي ماسكة إيد أبويا.. الراجل العجوز اللي طلع من الضلمة والتراب، ملامحه كانت متأثرة جداً، وعينيه مليانة دموع مش مصدق إن الكابوس خلص وإنه أخيرًا ماشي في نور الشقة وواقف قدامي.
فتحت دراعي، وجريت عليه، وضميته لقوة حضني، حسيت بكتفه العظمي المكسور تحت إيدي، وبكيت لأول مرة من سنين.
– “حقك عليا يا بابا.. سامحني.. سامحني إنك عشت كل السنين دي لوحدك.” قلتها بصوت مكسور ومبحوح.
أبويا طبطبت على ضهري بإيد مهتزة، وقال بصوت ضعيف ودافئ:
– “مش مهم يا ابني.. المهم إنكم كلكم قدامي.. وشيرين وجنا بخير.. أنا عشت السنين دي عشان اللحظة دي بس.”
قعدناه على الكنبة في الصالة، وشيرين جريت بسرعة جابت مية وقطن عشان تطهر جرحي وتطمن على أبويا. جنا قربت منه وقعدت جنبه، مسكت إيده الصغيرة وقالت بابتسامة بريئة:
– “أنا كنت عارفة إنك هنا يا جدي.. وكنت بجيبلك المية في السر.”
أبويا ضحك ضحكة ضعيفة بس مليانة حب، وباس راسها وهو بيقول: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. جنا هي اللي أنقذت العيلة دي كلها بطيبتها وبرائتها.”
بس لحظات الهدوء دي مكنتش هتدوم كتير.
فجأة، بصيت للاتنين بلطجية اللي كانوا واقعين على الأرض، ولقيت واحد منهم بيتحرك ببطء، وفتح عينيه وبدأ يفتح مكنة اتصاله في جيبه، وبيقول بصوت واطي وخافت:
– “الحق.. الرجالة وقعت.. الشقة في…”
قبل ما يكمل الكلمة، هجمت عليه زي السهم، وخبطت تليفونه في الأرض كسرته لمئة حتة، ووقفت فوقيه وأنا بطلع شرار من عيني:
– “مين رئيسكم؟! انطق! مين اللي باعتكم هنا؟!”
البلطجي ضحك بوجع وسخرية وهو بينزف من بوقه:
– “افتكرت إنك لما تخلص علينا هتهرب؟! الباشا.. الباشا عارف كل حاجة، ولو إحنا اتأخرنا دقيقة كمان، طابور تاني من الرجالة هيحاصر البناية كلها.. أنتوا ميتين لا محالة!”
الجملة نزلت عليّ وعلى أبويا وشيرين كالصاعقة.
شيرين صرخت برعب: “يارب! يعني الخلسة دي كلها مخلصتش؟! هما عارفين إن أبوك عايش لحد دلوقتي؟!”
أبويا هز راسه بيأس وقال بصوت متهدج:
– “دول مش هيسيبونا.. الناس دي ما بتعرفش الرحمة، طالما المستندات معاي وفي حوزتي، مش هيسيبونا ننطق بكلمة.”
بصيت للبلطجي ورفعته من ياقته بقوة وعصبية، وقلت له:
– “المستندات دي فين؟ لو هتعيش وتطلع من هنا سلي، قول لي.. إزاي نقدر نخلص من كابوس الباشا ده للأبد؟!”
البلطجي بص لي بعيون مرعوبة من نظراتي، وبصوت مكسور قال:
– “المستندات.. المستندات مش هنا.. الباشا مش عايز عشان المستندات.. الباشا جاي بنفسه.. وفاتت ثواني معدودة على وصوله!”
وقبل ما أستوعب كلامه، سمعنا صوت عربيات فارهة بتقف تحت البناية بأسطول كامل، ووراها صوت خطوات مرعبة بتطلع على السلم.. خطوات معناها إن بقى على باب الشقة خلاص!




