منوعات

على الزواج حكايات شروق 2

سحبها وسارا بسرعة جنونية نحو باب مخفي في جدار المكتبة، وهبطا عبر درجات سلم حلزوني مظلم يمتد لأسفل الأرض. كانت أصوات العد التنازلي والإنذارات تتردد في الأرجاء، وملك تركض بجانبه وهي تمسك بيده القوية بكل ما أوتيت من قوة.
وبمجرد أن وصلا إلى نهاية الممر الخارجي الممتد إلى أطراف المزرعة المجاورة للفيلا..
دوى انفجار هائل وخرافي دمر الفيلا الفخمة بالكامل في التجمع الخامس! تحولت الإمبراطورية الضخمة والمبنى إلى ساحة من اللهب والدخان الكثيف المتصاعد نحو السماء.
سقطا الاثنين على الأرض بفعل قوة الضغط الجوي للانفجار.
غطى الغبار والرماد جسديهما. جلست ملك وهي تسعل بشدة، ونظرت خلفها لترى الفيلا التي عاشت فيها أشهرًا قد أصبحت ركامًا متفحمًا.
وقف سليم فوق الركام، يمسح الدم عن جبهته، ونظر إلى الدمار الشامل ببرود غريب.
التفت إلى ملك، ومد يده إليها ليرفعها عن الأرض. كانت عيناه الخضراوان تتألقان وسط السواد والرماد، وقال بصوت عميق يحمل إعلانًا لمرحلة جديدة كليًا:
«الخنزير الملياردير مات النهاردة يا ملك.. وسليم الجبالي القديم اتدفن تحت الركام ده. العالم كله النهاردة هيفتكر إني مت في الانفجار ده.. ودي أصلًا كانت خطتي.»
نظرت إليه ملك بذهول:
«خطتك؟! انت كنت عارف إن الفيلا هتتفجر؟!»
ابتسم سليم ابتسامة غامضة وساحرة:
«كنت محتاج الموتة دي عشان أختفي تمامًا عن عيون المافيا والحيتان.. عشان أبدأ معاكي حياة جديدة بشخصيتي الحقيقية، وبدون أي أقنعة. من النهاردة، إحنا أشباح بالنسبة للعالم.. بس أشباح بنملك مليار دولار مخفية في بنوك سويسرا.»
ثم أخرج من جيبه جهازي جواز سفر جديدين بأسمائهما الحقيقية الجديدة، وصعدا إلى سيارة سوداء مصفحة كانت تنتظرهما في عتمة الليل بين الأشجار، ليقودها سليم بنفسه مبتعدين عن النيران.
لكن، بينما كانت السيارة تبتعد في طريق المطار، تلقت ملك رسالة نصية غريبة على هاتفها من رقم مجهول!
فتحت الرسالة لتقرأ كلماتها التي جعلت الدماء تتجمد في عروقها من جديد:
«فاكرة إنك هربتي مع سليم الجبالي يا ملك؟ أبويكي المقامر مكنش مدين لسليم بـ 50 مليون جنيه عشان ديون قمار.. أبويكي باعك لسليم عشان أنتِ السر الحقيقي لثروة عيلتكم القديمة اللي سليم نفسه ميعرفهاش! واللعبة يادوبك بدأت..»
سقط الهاتف من يد ملك فوق دواسة السيارة، وانتشرت برودة القارص في عروقها رغم دفء جو السيارة المصفحة. كانت نظراتها معلقة باللاشيء، وحروف الرسالة تنبض في رأسها كشظايا زجاج: «أبوكي ما كانش مدين.. أبوكي باعك عشان أنتي السر الحقيقي…».
انتبه سليم لتردد أنفاسها واضطرابها المفاجئ. ألقى بنظرة خاطفة عليها عبر المرآة العاكسة، ثم أمال رأسه نحوها وهو يمسك عجلة القيادة بقبضة ثابتة، وقال بصوته الدافئ الذي يحمل نبرة السيطرة:
«ملك؟ مالك؟ وشك اصفر فجأة ليه؟ القنبلة خضّوكي؟»
استجمعت ملك شتات نفسها بصعوبة. لم تكن تعلم هل تصدق ما قرأته أم تعتبره مجرد فخ جديد من أعداء سليم لتدمير الثقة الناشئة بينهما. أخذت نفسًا عميقًا، ورفعت الهاتف من الأرض، ثم سلمته له وهي تقول بصوت يرتجف:
«اقرأ دي يا سليم.. وشوف مين اللي بيراقبنا حتى بعد ما الفيلا اتفجرت.»
أخذ سليم الهاتف بيده اليسرى، وقرأ السطور السريعة وهو يضيق عينيه الخضراوين. في تلك اللحظة، رأت ملك تحولًا شديدًا في ملامح وجهه؛ الوسامة والهدوء اللذان ظهرا بعد خلع القناع اختفيا كليًا ليحل محلهما تجهم حاد وفك مشدود حتى كادت عظام وجهه تتكسر.
ضغط سليم على مكابح السيارة فجأة، لتتوقف على جانب طريق صحراوي مظلم يؤدي إلى مطار privado في ضواحي القاهرة.
التفت إليها كليًا، ونظر في عينيها بحدة تتداخل فيها علامات الذهول مع الشك، وقال:
«مين اللي بعت الرسالة دي؟ ومنين يعرف إننا هربنا؟ وأهم من ده كله… أسرار عيلتك إيه اللي بيتكلم عنها؟!»
ردت ملك بصراخ مكتوم والدموع تتجمع في عينيها:
«أنا معرفش يا سليم! أنا طول عمري فاكرة إن أبويا مجرد راجل مقامر وفاشل، ضيـّع حياته وحياتي في القروض والديون! أنا كل اللي أعرفه إنه قال لي إنك طالب 50 مليون جنيه منه وإن الحل الوحيد عشان ما يدخلش السجن هو إني أتجوزك! أنت اللي تقولي.. هل كان في حاجة تانية؟ هل أبويا فعلاً كان مدين لك بالمبلغ ده كله؟»
ساد صمت ثقيل داخل السيارة، لم يقطعه سوى صوت محركها الهادئ. أرجع سليم ظهره إلى الخلف، وشرد بنظره نحو الصحراء المظلمة خلف الزجاج.
أخرج سليم نفسًا حارًا وقال بنبرة هادئة لكنها مليئة بالغموض:
«أبوكي… الأستاذ فريد.. مكنش مقامر عادي يا ملك. لما جالي من سنتين يطلب قرض، مكنش جاي عشان ديون قمار. كان جاي ومعاه أوراق ملكية وأبحاث قديمة بتخص قطعة أرض ضخمة في سيناء، أرض كان بيحتفظ بسجلاتها سرًا وعليها خريطة لمخزون نادِر من العناصر القاسية اللي بتستخدم في الصناعات العسكرية المتقدمة.. أرض تسوى مليارات. هو طلب الـ 50 مليون كضمان، وأنا اديته الفلوس مقابل الأوراق دي. بس هو اختفى، ولما ظهر تاني، قال إن مفتاح الوصول للوثائق الرسمية المشفرة والأصلية مش في جيبه.. لكنه مدمج في صك ملكية عائلي متوارث باسمك أنتِ شخصيًا.. باسم ملك فريد الجبالي.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى