
ارتفعت ألسنة اللهب كالوحوش المفترسة تلتهم الجدران الخشبية للورشة القديمة، وتصاعدت أدخنة سوداء كثيفة حجبة نور النجوم في السماء. وقف رجال المافيا الأربعة يقهقهون بشر وهو يرون النيران تتصاعد، متأكدين أن إيما ووالدها والكلاب قد أُكلوا حياً داخل ذلك المطبخ الناري.
لكن القهقهة لم تدم طويلاً.
من قلب الدخان المتصاعد من النوافذ الخلفية، ومن السرداب السفلي الذي تمكنت الكلاب من فتح منفذه المهجور، انطلقت نيران من نوع آخر. ألقى الحداد العجوز براميل الزيت المضغوطة المشتعلة نحو الشارع الضيق، لتنفجر بين أقدام رجال المافيا في سحابة من النار والشرار!
تراجع المسلحون للخلف وهم يصرخون من هول المفاجأة، وفي تلك اللحظة بالذات، انشق السرداب الأرضي عن قفزة مرعبة. خرج الكلب الأسود الضخم من بين الركام كالظلم المتحرك، وتبعه الكلبان الآخران. انقضت الوحوش الثلاثة على رجال المافيا الشاردين، فجردت أحدهم من سلاحه بلمحة عين، وصرعت الثاني أرضاً بضربة كف مخوف.
خرجت إيما من فتحة السرداب تحمل بلقاطاً حديدياً مجمراً، وخلفها والدها يرفع مطرقته الهائلة. ساد الذعر بين بقية الحراس، فلم يتخيلوا أبداً أن تتحول الفريسة المحاصرة بالنار إلى صياد يسترد حقه بقوة السلاح والحديد.
قال رئيس المهاجمين وهو يرتجف ويداه تدميان من عضة الكلب الأسود:
— أنتم… أنتم مش بشر! أنتم شياطين!
ردت إيما بصلابة وهي تقترب منه وسط اشتعال الشارع:
— احنا ناس حرة رفضت تموت خايفة. ارجع لسيدك وقول له إن النار اللي تولعها عشان تحرقنا، هي نفس النار اللي هتسوي عرشه بالتراب!
اهتز الحي الجنوبي بأكمله على أثر الانفجارات والنيران. خرج الأهالي من بيوتهم يحملون دلاء الماء والدموع والأخشاب، وبدلاً من أن يفروا من رجال المافيا، تكاتفوا في صفوف متراصة. استطاع الأهالي إطفاء الحريق في المباني المجاورة قبل أن يمتد، بينما جرد الشباب المسلحين المتبقين من أسلحتهم وقيدوهم إلى أعمدة الإنارة في وسط الشارع لتكون رسالة واضحة لكل من يفكر في التعرض لأهل المدينة.
هزم المهاجمون وفر من بقي منهم حياً نحو سياراتهم المتبقية، ليحملوا إلى المقر الرئيسي الخبر الذي أطاح برأس الزعيم: الورشة احترقت، لكن إيما وأبوها خرجا من بين ألسنة اللهب أقوى من ذي قبل، والشارع الجنوبي بأكمله أعلن العصيان المسلح ضد المافيا.
في مقر القيادة بالجبل، تلقى الزعيم النبأ بكوب زجاجي هشم به الشاشة الرئيسية. تخشب وجهه من شدة الغضب، وسرت الحمرة في عينيه حتى كادتا تتفجران. لم يعد الأمر مجرد إتاوات أو فرض سيطرة؛ لقد أصبحت معركة حياة أو موت بالنسبة لإمبراطوريته التي بناها بالدم.
وقف الزعيم أمام خريطة المدينة وقيلولة الغضب تعصر صدره، ثم التفت إلى رجاله المتبقين وقال بنبرة ملؤها الغل والجنون:
— إيما والحداد والكلاب… كل دول لازم يتمحوا من الوجود الليلة دي. جهزوا السيارات المصفحة، وشغلوا المدافع الثقيلة. مش هستنى للصبح. أنا بنفسي هقود الهجوم على حي الحدادين، وهرد الرعب للمدينة دي لو اضطريت أهدها على رأس كل واحد ساكن فيها!
أشرقت خيوط الفجر الأولى محمّلة ببرود مخيف ورائحة حريق تجوب الأجواء. وفي الوقت الذي كان الأهالي يلتفون فيه حول إيما ووالدها يجهزون المتاريس الخشبية والحجارة لدفاعٍ أخير، سمع الجميع في أفق المدينة صوتاً معدنياً مرعباً… كان صوت جنازير السيارات المصفحة وهدير المحركات الضخمة القادمة من جهة الجبل.
ألقت إيما نظرة نحو الطريق العام، فرأت مواكب المافيا المدججة بالسلاح الشامل تتقدم نحو الشارع الرئيسي، وكان الزعيم يطل من فتحة السيارة الأمامية ممسكاً بسلاحه، وعيناه تنطقان بالهلاك الأكيد.
ارتجفت الأرض تحت أقدام الجميع، وتعالت أصوات هدير المحركات الضخمة التي كانت تقترب كأنها زحف جحيم مدمّر. ارتسمت ظلال السيارات المصفحة على جدران البيوت الطينية والخشبية، وخرج الزعيم من فتحة السيارة القيادية وبيده مكبر صوت ثقيل، يقطر صوته بقسوة جعلت الهواء يزداد برودة:
— أيتها الجرذان! ظننتم أن مجرد شرارة صغيرة ستصنع منكم أبطالاً؟ الليلة سأمسح هذا الحي بالكامل من الخريطة، ولن يتبقى من إيما أو أبيها أو كلابهم إلا الرماد!
انتشر الخوف لحظةً في أفق الشارع، تراجع بعض التجار خطوة إلى الخلف مرعوبين من منظر المدافع المجهزة والرشاشات الثقيلة المتراصة على أسطح السيارات. لكن إيما تقدمت بخطى واثقة إلى منتصف الطريق، ووقفت أمام المتاريس الخشبية وحيدة، بينما ربضت الكلاب الثلاثة عن يمينها وعن شمالها، وعيونها تشع بشرارة لا تطاق.
التفتت إيما إلى الأهالي وقالت بصوت قوي كسر صمت الخوف:
— لو تراجعنا النهاردة، بكرة هيقتلوا أولادنا واحد واحد في بيوتهم. اللي بيخاف من الموت يموت بالبطيء، والشر ده مش هيقف إلا لو واجهناه مع بعض!
قبض الحداد العجوز على مطرقته بكل ما تبقى لديه من قوة حية، ورفعها في أفق الفجر المظلم وهتف:
— لن نركع بعد اليوم!
انطلقت الصيحة من حناجر العشرات، ثم المئات، وتحول الرعب إلى طوفان غاضب. تحرك أصحاب الورش والشباب ونزلوا إلى الشوارع الفرعية يحملون القسامات، والسلاسل الحديدية، وأنابيب الغاز المضغوطة، ودلاء النفط المسخن.
أعطى الزعيم الأمر بالهجوم بيده، وانطلقت الرصاصات كالطرطشة الهستيرية تطرق جدران المباني وتهشم الزجاج. لكن إيما وأبوها كانوا يعرفون كل شبر وكل أزقة في هذا الحي القديم. أعطت إيما إشارة خفية للكلاب الثلاثة، فانطلقت الوحوش بذكاء خاطف عبر أسطح البيوت المنخفضة، متسللة خلف خطوط المافيا المهاجمة.
قفز الكلب الأسود الضخم من فوق سور واطئ وهجم على الرامي الممسك بالرشاش الثقيل على ظهر السيارة الأولى، فجرده منه وسحبه أرضاً في غمضة عين، بينما تكفل الكلبان الآخران بإحداث حالة من الرعب والارباك بين صفوف الحراس المترجلين، مما أوقف تقدم السيارات المصفحة وشل حركتها في الشوارع الضيقة.
في الوقت نفسه، بدأ أهالي الحي بإلقاء براميل النفط المشتعلة والمتاريس الثقيلة من أسطح المنازل على سيارات المافيا، فتوقفت المحركات المحاصرة وسط النيران والممر الضيق الذي صنعته حيلة الحداد العجوز. تحول الشارع الرئيسي إلى مصيدة محكمة لم يحسب لها الزعيم أي حساب.
ساد الذعر بين رجال المافيا، وسقطت أسلحتهم وهم يرون الناس الذين كانوا يستعبدونهم بالأمس يقاتلون بشراسة لا تصدق، والكلاب المفترسة تلتهم خطوط دفاعهم بكل جراءة.
أدرك الزعيم أن الكفة بدأت تميل ضده، وأن رجاله يتساقطون ويهربون واحدًا تلو الآخر. ملأ الغل قلبه، ونزل من سيارته المصفحة يسب ويشتم، وقرر أن ينهي المعركة بنفسه. أخرج خنجراً مسموماً ومسدسه الخفي، واستغل حالة الفوضى والأدخنة المتصاعدة ليتسلل نحو موقع إيما مباشرة.
كان يراها تقف بالقرب من جدار الورشة المحترقة ترشد الأهالي وتدير المواجهة. تقدم من خلفها بكراهية عمياء، ورفع خنجره ليطعنها في ظهرها ويتخلص من رأس هذه الثورة إلى الأبد…




