
مرت الأسابيع التي أعقبت صفعة “شهادة الجودة الصحية”، وتحولت أم أمير في الشارع إلى مجرد خيال يهرب من ظله. فقدت كل حيلها؛ المباشرة بالقوة أوقفتها الشرطة والتعهد، والمواجهة الاجتماعية أفشلها ملف الصور والدلائل، وحتى المحاولة الخبيثة عبر الجمعية انقلبت لشهادة تكريم رسمية لمطبخي. كانت تشعر بعزلة قاتلة، وأصبح الشارع كله يتعامل معها بحدود ضيقة وحذر شديد.
لكن المريض بالحقد الذي يرى نجاح غيره وسكينة بيته عذاباً شخصياً له، لا يستسلم حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في الخصومة. أدركت أن الشارع والجمعية والشرطة أصبحت أبواباً مغلقة في وجهها، فقاطعت الجميع وقررت أن تلعب آخر كروت حيلها، كرت “الطعن من داخل البيت” وبث السموم في أخص علاقاتي الإنسانية: ابنتي.
بدأت القصة في منتصف شهر سبتمبر. كانت ابنتي “سارة”، التي تدرس في سنتها الجامعية الأخيرة، تمر بفترة ضغط عصبي بسبب الامتحانات والتحضير لمشروع التخرج. وكانت عادتها أن تجلس في شرفة غرفتها المطلة على الحديقة في المساء للمذاكرة.
في أحد الأيام، لاحظتُ أن سارة عادت إلى البيت مجهزة بشرود واجم، وتتجنب النظر في عيني. لم تكن عادتها أن تخفي عني شيئاً، لكن ملامحها كانت تحمل مزيجاً غريباً من الشك والحيرة والتشتت.
مساء الثلاثاء، بينما كنتُ أعد الشاي في المطبخ، دخلت سارة ووقفت بجانب الرخامة، وترددت كثيراً قبل أن تقول بصوت خفيض:
— “ماما.. هو… هو بابا الله يرحمه وأنتِ، كان بينكم وبين أهل بابا مشاكل زمان بخصوص البيت ده والأدوات؟”
نظرتُ إليها بدهشة ووضعت الكوب من يدي:
— “مشاكل؟ مشاكل إيه يا سارة؟ بيت أبويكِ وأمك معروف أصله، وأنا وأبوكِ بنينا حياتنا بالطوب والشقاء، وأهله طول عمرهم فوق رأسنا بالاحترام.. مين اللي قالك الكلام ده؟”
فركت سارة يديها بتوتر وقالت:
— “طنط أم أمير… قابلتني وأنا طالعة من المترو امبارح. وقفتني وقالت لي إنها صعبان عليها حالي، وإنك ست قاسية ومتحكمة، وإن المشاكل اللي بتعمليها مع الجيران دي طبع فيكِ من زمان، وإنك حرمتي أهل بابا من ميراثهم واستوليتي على الأدوات والمطبخ وعجان تيتة اللي بتتباهي بيه، وإن العجان ده أصلاً مش بتاعك أنتِ.. ده كان حق عمي الكبير وأنتِ أخدتيه بالعافية بعد وفاة تيتة!”
اتسعت عيناني، وشعرت بدمي يغلي في عروقي. لم يكن غضباً من ابنتي، بل من هذه الشياطينية المتجسدة! امرأة لم تكتفِ بتدمير أجهزتي والتعدي على حديقتي وتزوير المعاملات باسمي، بل وصلت بها الخسة أن تنتظر ابنتي عند محطة المترو بعيداً عن عيني، لتبث في عقلها الغض سموماً وتشككها في إرث جادتها وأخلاق أمها!
مسكتُ يدي سارة وجلستُ معها على طاولة المطبخ. أخرجتُ صندوق الذكريات الخشبي القديم الذي أحتفظ فيه بأوراق أمي وأبي رحمهم الله. أخرجتُ منه فاتورة شراء العجان الكريمي الأصلية المؤرخة بسنة 1989 باسم أمي، ومحضر توزيع التركة الودي الموقع والمختوم من عمها الكبير شخصياً وموثقاً بالرضا والقبول.
أريتها الأوراق ورسائل الحب والتقدير من أهل أبيها، وقلت لها بصوت دافئ حاسم:
— “يا سارة.. أمك عمرها ما أكلت حق حد، ولا دخل بيتها قرش ولا جهاز بالحرام. المرأة دي لما غلبت معايا وقفلنا في وشها كل أبواب الشر، حبت تحرق قلبك وتشككك في أمك وميتينك. وده الخطأ الأخير اللي مش هيمر زي اللي قبله.”
احتضنتني سارة وهي تبكي وتعتذر عن ترددها، وساد في البيت يقينٌ جديد بأن هذه الأفعال الإبليسية لا بد لها من قطع دابر نهائي يقلع جذور أذاها للأبد.
صباح الأربعاء، لم أعد تلك المرأة التي تنتظر أو تلجأ لمجالس عرفية. حماية أبنائي ونقاء عقولهم خط أحمر يتجاوز حدود الجيرة والصبر.
أخذتُ الأوراق الثبوتية، وفاتورة العجان، ورسائل عم سارة، وذهبتُ مباشرة برفقة ابنتي إلى مكتب المحامي. قمنا بتحرير دعوى قضائية رسمية بتهمة “التحرش بالقاصرين والشباب، والتعدي على القذف والسب وتشويه السمعة، وممارسة الإزعاج النفسي العمدي وتتبع خطى المواطنين”.
ولم أكتفِ بذلك. بل اتصلتُ بعم سارة الكبير (شقيق زوجي المرحوم)، وهو رجل له كلمة مسموعة ومكانة مرموقة. عندما علم بما تجرأت عليه هذه المرأة وما قالته عن تركة والدته وشقيقه، غضب غضباً شديداً وقرر أن يحضر بنفسه.
مساء الخميس، كانت المفاجأة التي لم تتوقعها أم أمير في أعتى كوابيسها.
ترجل عم سارة من سيارته الفارهة أمام البيت، ومعه اثنان من كبار عائلتنا، برفقة المحامي الذي يحمل العريضة الرسمية للمحكمة. خبط العم على باب منزل الأستاذ عبد الله بقوة وهيبة.
فتح الأستاذ عبد الله الباب، وعندما رأى الوجوه الصارمة والعم الجليل الذي يعرف قدره جيداً، ارتبك ورحب بهم بتلعثم.
خرجت أم أمير من الداخل تظن أنها مشكلة عادية، لكن عم سارة لم يمنحها فرصة للتنفس. وقف في منتصف الصالة، وقال بصوت هز أركان البيت:
— “يا أستاذ عبد الله! إحنا جينا هنا مش عشان نسألك عن أدوات ولا صواني.. إحنا جينا نسألك عن المرا اللي واقفة جنبك دي! إزاي تسمح لمرتك تقف لبنت أخويا المرحوم في الشارع وتتعدى على سمعة بيتنا وتدعي زوراً إن أم سارة سارقة تركتنا ومغتصبة عجان أمي؟!”
سقطت الصدمة كالصاعقة على رأس الأستاذ عبد الله. التفت إليها بعينين تشتعلان شراراً:
— “أنتِ عملتِ كده؟! أنتِ وقفتِ لبنت الناس في الشارع وتكلمتِ في أعراض وميراث؟!”
حاولت التأتأة والإنكار بكذبها المعهود:
— “أنا.. أنا بس كنت بفتح معها كلام.. هي اللي…”
قاطعها عم سارة بحزم صلب، وأخرج أوراق الميراث وفاتورة العجان لعام 1989 ووضعها على الطاولة:
— “الأوراق دي بتثبت إنك كذابة ومفترية! وده التقرير والبلاغ الرسمي اللي اترفع النهاردة في النيابة بتهمة التتبع والافتراء على ابنتنا! والقضية دي مش هتتقفل إلا بقرار المحكمة أو برحيلك عن الحي ده!”
اصفر وجه أم أمير وانعقد لسانها تماماً، بينما انهار الأستاذ عبد الله من شدة الخزي والحرَج أمام رجال العائلة والمحامي. شعر أن حياته وسمعة بيته أصبحت في الحضيض بسبب نزوات امرأة لا تشبع من الغل والفضول.
قال الأستاذ عبد الله بصوت مكسور ومبحوح وهو ينظر لزوجته بكل قسوة:
— “حقكم على راسي من فوق يا أصول.. التعهد والشرط اللي كان بيننا انتهى النهاردة. أنا مش هسمح للمرأة دي تدمر بيتي واسم أولادي أكتر من كده.”
التفت إليها وقال أمام الجميع بصوت قاطع كالسيف:
— “قدامك 24 ساعة تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك في العزبة.. والورقة بتاعتك هتوصلك هناك، والبيت ده مش هتعتبيه تاني طول ما أنا حي!”
صرخت هي وانهارت على الأرض تبكي وتتوسل، لكن هذه المرة لم يكن هناك مجال للشفقة أو الرجاء. لقد استنفدت كل فرص الحياة والجيرة، وانكشف سترها بالكامل بعد أن أردت أن تبث سمومها في ابنتي، فارتد السم إلى صدرها وقطع حبل حياتها الزوجية والاجتماعية في الشارع.
في ليلة الجمعة، خرجت أم أمير من البيت وهي تحمل حقيبتها، تجر أذيال الخيبة والفضائح، تحت أنظار الشارع الذي لم يرحمها بنظراته بعد أن طردها زوجها وسُحبت منها كل أدوات التبجح.
وفي صباح الجمعة المباركة، جلستُ في مطبخي برفقة ابنتي سارة وعمها. كان العجان الكريمي يدور بنعومة، صوته المترنم يملأ الأرجاء برائحة المخبوزات الطازجة. ابتسمتُ وأنا أرى ابنتي تضع يدها على العجان وتساعدني، نعد كعك الجمعة بنفوس مطمئنة، بعد أن انزاحت الغمة الخبيثة وتطهر الشارع والبيت إلى الأبد، متأكدين أن القادم هو الفصل الأخير والسطر النهائي في حكاية كرامة لا تُقهر.
أشرقت شمس صباح السبت دافئة وهادئة، وساد الشارع سكونٌ نقيٌّ لم نعهده منذ شهور طويلة. كان الهواء يمر بين البيتين صافياً خفيفاً، بعد أن انزاحت عن الحي تلك الهالة الثقيلة من الحقد والمواربة التي زسخّرتها أم أمير لسنوات.
خرج الأستاذ عبد الله في الصباح الباكر، ومعه ابنه الشاب وبعض العمال. رأيتهم من نافذة المطبخ يزيلون بقايا المستلزمات القديمة التي كانت تتكدس في حديقتهم، ويضعون ترتيباً جديداً ونظيفاً لبيتهم، وكأن المكان كله يتنفس الصعداء ويغتسل من أثر السنين الماضية.



