منوعات

حكايات اسما السيد 4

قبل الظهر، خبط الأستاذ عبد الله على بابي خبطات هادئة محترمة. عندما فتحتُ له، كان يرتدي جلبابه الأبيض، وعلى وجهه حزن راقٍ وراحة لم أصل إليها من قبل. كان يحمل في يده ظرفاً ورقية مغلقاً.

قال بنبرة يملؤها الوقار والاعتذار العميق:

— “صباح الخير يا أم فلان.. أنا جيت أودعك وأستأذنك، وجئت أسلمك الأوراق دي بنفسي.”

نظرتُ إليه باستفسار، فأكمل بصوت ثابت:

— “الورقة الأولى هي إقرار رسمى وموثق بفسخ أي توكيل أو معاملة كانت تخص أم أمير، وإعلام رسمي بطلاقها وانقضاء تواجدها في هذا الشارع نهائياً.. والورقة الثانية هي تنازل عن الجزء الخاص بي في السور الفاصل، ليكون ملككِ بالكامل تبنينه أو تتركينه كما تشائين.”

ثم صمت لبرهة، ونظر إلى الحديقة النظيفة وقال:

— “أنا بعت البيت لأحد أقارب الحاجة صفية، رجل فاضل وأسرته محترمة وه ينتقلوا هنا الشهر الجاي.. أنا وولادي قررنا ننقل لحي تاني قريب من شغلي، عشان نبدأ صفحة جديدة بعيداً عن أثر الأيام اللي فاتت. أنا آسف على كل لحظة إزعاج أو ضيق تسببت لكِ فيها أنتِ وبنتك، وبشكرك لأنك فتحتِ عيني على حقيقة كنت هفضل أعمى عنها لعمر طويل.”

قلت له بصدق واحترام:

— “ربنا يعوضك خير يا أستاذ عبد الله.. أنت راجل أصول وطول عمرك محترم في نظرنا، والبيت والشارع هيفتقدوا وجودك. ربنا يصلح حالك وحال أولادك ويوفقكم في مكانكم الجديد.”

سلم عليّ وغادر بثبات، حاملاً معه آخر بقايا تلك الحقبة المرهقة.

وفي عصر ذلك اليوم، أتيحت لي فرصة حقيقية للاحتفال بهذه النهاية. أقبلت الحاجة صفية وسيدات الشارع، ومعهن الدكتورة نادية من الجمعية، وجلسنا جميعاً في حديقتي النظيفة التي تزينت بأزهار الياسمين والمرمية.

في منتصف الطاولة، كان يقف قالب كيك ضخم ومبهر، مغطى بطبقة ناعمة من الكريمة البيضاء ورائحة الليمون والفانيليا التي تميز خبيز أمي. كان هذا الكيك مخفوقاً بالكامل داخل العجان الكريمي القديم، الذي وُضع هو الآخر في منتصف طاولة المطبخ الداخلية، يلمع تحت الضوء وكأنه بطل الحكاية الحقيقي.

قطعتُ الكيك ووزعته على الجارات. أكلت الحاجة صفية القطعة الأولى وقالت بابتسامة دافئة والدكوع في عينيها:

— “تسلم إيدك يا أم فلان.. طعم كيكة المرحومة أمك بالظبط! والله العجان ده مش مجرد جهاز، ده بركة البيت والشارع كله.”

قالت الدكتورة نادية وهي تبتسم:

— “الجهاز ده أثبت إن الأصالة والنظافة مش بقدم الشيء أو حداثته، الأهم هي الإيد اللي بتستخدمه والقلب اللي بيحرك البيت. الطيبة أحياناً بتبقى صامتة، بس لما بتصحى بتبني سدود ما يقدرش أي شر يكسرها.”

نظرتُ إلى ابنتي سارة وهي تضحك وتوزع العصائر على الجارات، وإلى السور الخرساني القوي الذي يفصل بين الحق والباطل، وإلى العجان الكريمي القابع في مطبخي بسكون ووقار.

36 عاماً من العمل والذكريات والمحبة، لم تكسرها أطماع جارة استغلالية، ولم تهزمها نوبات الغل والحقد. بل خرج منها الدرس الأكبر الذي لن ينساه الحي كله: أن حلم الطيبين ليس ضعفاً، وأن الصمت ليس خنوعاً، بل هو مهلة قصيرة يعطيها الكرام لمن لا يعرف الأصول.. حتى إذا تجاوز الخط الأحمر، قام الحق ليعيد كل شيء إلى نصابه، ويقطع دابر الاستغلال إلى الأبد.

أغلقتُ باب حديقتي في المساء، وأنا أستشعر روح أمي تطوف حول المكان برضا وسلام. أدرتُ المفتاح الداخلي للعجان دورة خفيفة أخيره، فأنطلق منه صوت حنون متزن.. صوت الأصول التي لا تموت.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى