
بلعت ريقي بصعوبة واستمعت بذهول، بينما واصلت أنعام: “لما ليلى اكتشفت إنه بيستغلها ورفضت تديلو الشريط، ضربها على رأسها بحجر في الجنينة الخلفية. أنا شفت المشهد من شباك المطبخ وصرخت، كمال هرب في الظلام. جريت عليها كانت بتنزف ومسكت في إيدي.. وقبل ما تلفظ أنفاسها الأخيرة، خبت الشريط في جيب بلوفرها، وقالتلي بالحرارة: ‘بابا حط باقي السر في الخزنة النحاس.. انقذي حنان يا أنعام، كمال عايز يقتلها هي كمان عشان يأخد نصيبها’.”
“وبابا؟” سألتها بصوت . “بابا عمل إيه لما عرف؟”
“أبوكي جه على صراخي..” ردت أنعام. “بدل ما يبلغ الشرطة، اتجنن من الرعب. كمال كان مهدده إنه لو بلغ، المنظمة هتقتل باقي العيلة ويفضحوا شغله القديم. أبوكي خد جثة ليلى بالبلوفر بتاعها ودفنها في القبو تحت البلاطة النحاس، وجبرني أستقيل وأختفي عشان محدش يعرف السر. لكن قبل ما أدمدم القبو، أنا غيرت البلوفر.. قلعت ليلى البلوفر وخبيته عندي عشان يفضل دليل حقيقة، ودفنتها بملابس تانية.”
امتقع وجهي وشعرت ببرودة تسري في أطرافي: “يعني البلوفر اللي سلمى لبسته النهارده.. هو البلوفر الحقيقي اللي ليلى اتقتلت بيه؟!”
“أيوه يا حنان..” قالت أنعام. “أنا كبرت في السن، وجه وقت الحق يظهر قبل ما أموت. نقلت شغلي لمدرسة سلمى بقصدي، واديتها البلوفر وحطيت فيه مفتاح الخزنة اللي كنت سرقته من أبوكي ليلة الجريمة. كان لازم أنتِ اللي تفتحي الخزنة وتطلعي الكاسيت والورق، لأن كمال بيموت ورجالته بيدوروا على أي طرف خيط يوصلهم للوثائق دي عشان يبيعوها قبل ما يموت!”
سقطت الحقيبة من يدي على أرضية السيارة، واصطدم الشريط الكاسيت بقدمي.
سحبت الشريط، ونظرت إليه تحت ضوء شاشة الهاتف الضئيل. كانت الاعترافات بحوزتي الآن، والقاتل الحقيقي -كمال- ما زال حيًا ويبحث عني.
وفجأة، وأنا أحاول استيعاب كلام أنعام، أضاءت شاشة هاتفي بإشعار مكالمة واردة أخرى من مستشفى دار الرعاية..
رفعت الخط بسرعة وأنا أرتعش: “ألو؟”
جاءني صوت الممرضة مضطربًا ومذعورًا: “مدام حنان! الحقينـا.. في شخص انتحل شخصية طبيب ودخل غرفة والدك في العناية المركزة، وفصل أجهزة التنفس عنه وربط المراقبة! والدك بيموت.. والراجل ده سابلك رسالة مع الأفراد قبل ما يهرب!”
صرخت بأعلى صوتي: “رسالة إيه؟!”
ردت الممرضة وهي تبكي: “قالنا أقولك: ‘لو الشريط الكاسيت ميوصلش لعنوان المزرعة خلال ساعة.. حفيدتك سلمى هتحصل جدتها ليلى’.”
سقط الهاتف من يدي على أرضية السيارة المظلمة، وصوت صراخ الممرضة ما زال يتردد من سماعته الخافتة. ساد صمتٌ قاتل في جوف السيارة، باستثناء صوت أنفاسي المتلاحقة التي كانت تصارع الهواء للخروج من صدري.
سلمى! حفيدتي الصغيرة، ذات الثماني سنوات، التي خرجت صباحًا بضفائرها الذهبية ومريولها المدرسي، أصبحت الآن الحطب الجديد لهذه المحرقة الممتدة منذ أربعين عامًا.
لم أبكِ. جفت الدموع في عيني وتحولت إلى جمر حارق. رفعت الهاتف من الأرض بسرعة وضغطت على زر المكالمة الأخيرة مع أنعام.
“أنعام!” صرخت بنبرة حادة كالسيف. “كمال وصل لبابا في المستشفى وفصل عنه الأجهزة! وبيهددني بسلمى! سلمى فين يا أنعام؟! قوليلي ابنتي وحفيدتي فين؟!”
جاء صوت أنعام مذعورًا ومختنقًا بالشهقات: “إيه؟! كمال وصل لأبوكي؟! سلمى… سلمى المفروض كانت راجعة البيت مع أمها! يا حنان، أنا شفت عربية سوداء كانت واقفة قريبة من باب المدرسة والولاد خارجين، بس افتكرتها تبع التوصيل… يا مري! كمال كان ممتد خطوطه ومراقب الكل!”
“اسمعيني كويس!” قلت لها وأنا أدير محرك السيارة بعنف، وأسحق دواسة البنزين لتنطلق السيارة متراجعة من خلف بيت الحراس إلى الطريق الترابي. “الورق والشريط معايا في العربية. كمال عايز الشريط مقابل سلمى، وعايزني أرجع بيت المزرعة خلال ساعة. أنتِ فين دلوقتي؟”
“أنا قريبة من بيت المزرعة يا حنان.. كنت مستنياكي تخرجي منه!” قالت أنعام بصوت يرتجف. “أنا عندي مسدس قديم بتاع جوزي المتوفي.. أنا هاجي معاكي. المشوار ده بدأ من أربعين سنة بالدم، ومش هيخلص إلا بالدم.”
“لا يا أنعام!” صرخت وأنا أكسر عجلة القيادة لنحو الطريق المؤدي مجددًا إلى بيت المزرعة. “أنتِ مش هتدخلي البيت! اتصلي بالشرطة بلغيهم عن اختطاف طفلة وعن جثة مدفونة تحت القبو! خليهم يطوقوا المنطقة، بس بشرط… محدش يدخل إلا لما أنا أدي إشارة، عشان كمال ما يقتلهاش فورًا!”
أغلقت الخط قبل أن تطعنني بأي اعتراض، ووضعت الحقيبة التي تحتوي على الدفتر والشرائط على المقعد المجاور. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً. الطريق إلى بيت المزرعة كان يبدو هذه المرة وكأنه الطريق إلى المقبرة.
قدت السيارة بسرعة جنونية، أضواؤها تشق ظلام الليل الدامس. في عقلي، كانت تصارعني صورتان: صورة أختي ليلى وهي تخطف معلقة التورتة وتضحك وتعدني بالعودة ليلة 1986، وصورة حفيدتي سلمى وهي تبتسم ببراءة وتقول: “تيتة! بصي! ست النظافة ادتهولي”.
وصلت إلى بيت المزرعة القديم بعد أربعين دقيقة.
كان البيت يقف كالشبح في منتصف الأرض الخلاء، لكن هذه المرة كانت هناك أضواء صفراء خافته تنبعث من نوافذ الطابق الأرضي، وسيارة دفع رباعي سوداء متوقفة أمام الباب الرئيسي، محركها يعمل بصوت خفيف.
أوقفت سيارتي على مسافة قريبة، ونزلت أحمل الحقيبة في يدي اليسرى، ورذاذ الفلفل والكشاف القوي في يدي اليمنى. كان قلبي يطرق ضلوعي كأنه يريد الخروج، لكن جسدي كان ثابتًا على نحو مرعب.
فتحت الباب الخشبي الثقيل للبيت. أصدر الباب صريرًا حادًا هز أركان الصالة الفسيحة المغبرة.
“كمال!” صرخت بصوت ملأ المكان، يتردد صداه بين الجدران المتآكلة. “أنا جيت! والورق والشريط معايا! اظهر وطلّع سلمى!”
ساد الصمت لثوانٍ معدودة، ثم سمعت صوت خطوات بطيئة متثاقلة تهبط من على الدرج الخشبي المؤدي للطابق الثاني.
ظهر رجل طاعن في السن، لكنه متماسك البنية، شعره أبيض بالكامل، يرتدي معطفًا فاخرًا يستند على عصا أبنوسية ذات رأس فضي، وفي يده الأخرى سلاح ناري. خلفه تمامًا، كان يمسك بيد سلمى الصغيرة، التي كانت تبكي بصمت، وفمها ملفوف بشريط لاصق أسود وعيناها ممتلئتان بالرعب.
“تيتة!” صرخت سلمى بصوت مكتوم من خلف الشريط اللاصق لما رأتني، وحاولت الجري نحوي، لكن يده القوية شدتها للخلف بعنف.
“سلمى!” صرخت، وخطوت خطوة للأمام، لكنه رفع السلاح وسدده نحو رأسها فورًا.
“ولا خطوة كمان يا حنان!” قال كمال بصوت خشن، حاد، ومتحشرج من أثر السنين والتدخين. “أربعين سنة… أربعين سنة وأنا مستني اللحظة دي. أبوكي المغفل خبا الشريط وخبا الخزنة، ولما قرب يفتكر، ليلى أختك الملعونة لعبت عليا وأخذت الوثائق معاها للقبر.”
“ليلى مقتلتش عشان الوثائق يا مجرم!” صرخت والدموع تحرق أجفاني. “ليلى قتلتها أنت عشان رفضت تبيع أبوها وتبيعنا ليك! أنت قتلت طفلة عندها 16 سنة وسبت جثتها تحت الأرض وأنت بتتأنق وعايش حياتك!”
ابتسم كمال ابتسامة مقززة كشفت عن أسنان صفراء بالية: “ليلى كانت عائق.. وزي ما كانت عائق، البت الصغيرة دي ممكن تبقى عائق أسهل بكثير. ترمي الشنطة هنا على الأرض، وتاخدي بت ابنك وتمشوا.. أو أديكي فرصة تتلموا أنتم الثلاثة تحت أرضية القبو مع ليلى.”
نزلت ببطء وجلست على ركبتي، وأنا أضع الحقيبة على الأرضية الترابية للصالة. “الشنطة اهيه.. طلق سلمى الأول.”
كمال نظر إلى الشنطة بعيون طماعة ولمعة هوس لم تطفئها أربعين سنة من العمر. دفع سلمى بقوة نحو الأمام وقال: “امشي لجدتك يا شاطرة.”
جرت سلمى ونقزت في أحضاني، ضممتها لصدري بقوة وأنا أرفع الشريط اللاصق عن فمها وأهمس في أذنها: “اجري على عربيتي يا سلمى، استخبي تحت الكرسي متطلعيش أبداً!”
سلمى جرت بدموعها نحو الباب الخارجي وخرجت.
في تلك اللحظة، انحنى كمال ببطء ليمسك بالحقيبة ويسحبها. فتح السوستة وأخرج الشريط الكاسيت والدفتر الأسود، ونظر إليهما بانتصار قاتل.
“أخيرًا…” همس لنفسه وهو يمسح على غلاف الدفتر. “السر اللي يهد إمبراطوريات… بين إيدي.”
ثم رفع عينيه إليّ، ورفع السلاح باتجاه صدري ببرود شديد وقال: “شكرًا يا حنان.. بس أنتِ عارفة، مفيش شهود بيخرجوا من بيت المزرعة ده وهم عايشين.”
قبل أن يضغط على الزناد، دوت صيحة مرعبة من خلفه في أركان المطبخ المهجور، واقتحمت أنعام المكان وهي تصرخ برعب وغضب وهي تحمل بيديها المرتجفتين مسدسًا قديمًا: “كمال!”
التفت كمال بذهول نحو مصدر الصوت، وفي نفس الكسر من الثانية، لم أتردد؛ وثبت عليه بكامل ثقل جسدي ورششت رذاذ الفلفل مباشرة في عينيه الصريعتين، وأنا أصرخ بأعلى صوتي.
انطلقت رصاصة عشوائية من سلاحه أحدثت ثقبًا في السقف، واستقر جسده الضخم على الأرض وهو يتأوه ويسب برعب. سقط المسدس من يده، وتدحرج الشريط الكاسيت والدفتر الأسود على الأرضية.
سحبت المسدس بسرعة من الأرض ووجهته نحو رأسه وأنا أتنفس بجهد وأرتجف كالمجنونة.
كان كمال يمسك بوجهه المتألم، وينظر إليّ بعينين حمراوين ملطختين بدموع الفلفل الحارق، ويقول وهو يلهث: “أنتِ مش هتقدر ي تقتلي… أنتِ مش زينا يا حنان…”
“أنا مش زيك…” همست وأنا أصوب المسدس بين عينيه والدموع تتساقط من وجهي. “بس أنا أخت ليلى.”
وفجأة، وفي لحظة الصمت الخانقة تلك، سمعنا جميعًا صفارات إنذار سيارات الشرطة وهي تقترب بسرعة جنونية وتطوق محيط بيت المزرعة، والأضواء الحمراء والزرقاء تتوهج عبر نوافذ البيت الخشبي المتآكل.
هذة الرواية من وحي خيال الكاتب ولا تمت للواقع بصلة



