منوعات

حكايات اسما السيد 3

“اتحركوا للممر الخلفي!” صرخ العميد وهو يسحب ويشير إليّ وإلى أنعام، “مدام حنان! خدي الشنطة والميكروفيلم واطلعي مع الضابط ده من السرداب القديم الموصل للبئر المهجور! لازم الوثائق دي توصل للنيابة الكلية فوراً!”

امسكت الشنطة وضغطت على يد أنعام، ونزلنا في ممر ضيق ومظلم تحت القبو، نركض بين الرطوبة والعتمة وأصوات تتردد فوق رؤوسنا كأن القيامة قد قامت.

كانت أنعام تلهث بصعوبة شديدة، وصدرها يصدر صفيرًا حادًا. توقفت فجأة وسندت ظهرها على الجدار الحجري للممر.

“كملي يا حنان…” قالت أنعام وهي تدفعني للأمام بيدين مرتعشتين، “أنا مش هقدر أكمل ركض… رجلي مش شايلاني.”

“مش هسيبك يا أنعام!” وأنا أحاول سحبها، “أنتِ اللي حفظتِ حقيقة أختي 40 سنة، مش هسيبك هنا!”

“أنا أديت الأمانة…” ابتسمت أنعام بدموع متلألئة في الظلام، وأخرجت من جيبها المسدس القديم، “أنا عشت الأربعين سنة دول عشان الليلة دي بس. خدي حفيدتك واهربوا… خلي ليلى ترتاح في قبرها.”

دُفعت للخارج عبر فتحة البئر الضيقة بالهواء البارد، وأنا أسمع أنعام تغلق الباب الحديدي للسرداب من الداخل وتضع المزلاج، لتمنع أي شخص من تتبع خطواتي.

خرجت إلى ظلام الليل. كانت سيارة الشرطة المصفحة بانتظاري في أحراش المحمية، وضابط يلوح لي بالاقتراب بسرعة.

ركضت بجسدي المنهك، وحقيبة الأسرار في صدري، وصوت يبتعد ويزداد ضراوة خلفي في بيت المزرعة.

صعدت إلى السيارة المصفحة، وأغلقت الأبواب الفولاذية . انطلقت السيارة بسرعة فائقة تشق حلكة الليل باتجاه العاصمة.

أخرجت الهاتف من جيبي ويدي تتلمسان القلادة الفضية والبلوفر الصوفي الملفوف بجواري. اتصلت بابنتي للتأكد من سلامة سلمى.

“تيتة؟” جاء صوت سلمى الباكي عبر الخط، “أنتِ جاية؟ أنا خايفة يا تيتة…”

“أنا جاية يا روح تيتة…” همست والدموع تتساقط على البلوفر، “الكابوس خلص يا سلمى… عيلتنا خذت حقها.”

لكن، بينما كنت أتنفس الصعداء وأشاهد أنوار المدينة تلوح في الأفق، أضاءت شاشة التلفاز الصغير الموجود داخل المصفحة التابعة للشرطة بنشرة أخبار عاجلة:

“أنباء عن  ضخم بيت المزرعة المهجور في منطقة المحمية… وتصاعد ألسنة ، مع وجود أنباء عن فرار إحدى السيارات التابعة وعلى متنها البارز للمنظمة…”

تجمّد عروقي مجدداً. هل ماتت أنعام؟ وهل كمال كان مجرد بيدق في يد رأس أفعى أكبر لم يظهر بعد؟

شريط الأخبار على الشاشة الصغيرة داخل المصفحة، وتصاعدت ألسنة اللهب في سماء الليل البعيدة لتصبغ الغيوم بلون الدم. كان بيت المزرعة ينصهر بكل أسراره، بكل آلامه، وبكل الذكريات التي داخل سجن من الخوف طوال أربعين عاماً.

غمضت عيني بشدة، وضغطت بيدَي المرتجفتين على الشنطة التي تحتوي على الكبسولة الزجاجية والدفتر الأسود. لم تكن أنعام مجرد شغالة قديمة، كانت البطلة الحقيقية التي حملت الجمر في كفها أربعة عقود لتمنحني اليوم هذه اللحظة… لحظة الخلاص.

وصلت المصفحة إلى مقر النيابة العامة وسط حراسة مشددة. الممرات كانت تعج بالضباط والقضاة ووكلاء النيابة الذين كانوا يستعدون لهذه اللحظة. في تلك الليلة، تم تفريغ الميكروفيلم تحت أجهزة فحص متطورة. كانت الوثائق تحتوي على أسماء، وحسابات بنكية، وشبكة معقدة امتدت جذورها في عدة دول، وكان كمال وأعوانه مجرد أذرع صغيرة لشجرة فساد أقتُلعت جذورها بالكامل في تلك الليلة بفضل ذكاء فتاة في السادسة عشرة من عمرها.

مع بزوغ فجر اليوم التالي، أعلنت السلطات رسمياً القبض على السيارة الهاربة وركابها عند الحدود الإدارية للمحافظة، وضُبطت الشريحة الكبرى للمنظمة، بينما وُوري جثمان أبي الثرى في صمت.

بعد أسبوع واحد…

كانت الشمس تشرق دافئة وناعمة، تطرد برودة السنين الماضية. وقفتُ في المقابر، وأمامي شاهد جديد كُتب عليه بخط يدوي أملس:

«ليلى م. (1970 – 1986) .. أخيرًا، تنامي في سلام»

بقايا ليلى بجوار قبر ماما، تماماً كما كان ينبغي أن يكون منذ أربعين عاماً. وضعتُ القلادة الفضية الكاملة -بعد أن دمَجتُ النصفين معاً- فوق زهور عباد الشمس الصفراء التي غطت القبر.

وقفت بجواري ابنتي، وبجوارها كانت سلمى، ترتدي فستاناً أبيضاً جميلاً. طأطأت سلمى رأسها ونظرت إليّ بعينيها الصافيتين وقالت: “تيتة… هي أختك ليلى مبسوطة دلوقتي؟”

انحنيتُ ولمستُ وجه سلمى الصغير، وابتسمت لول مرة من أعماق قلبي منذ سنوات طويلة: “ليلى ارتاحت يا سلمى… وأنتِ رجّعتِ لها حقها من غير ما تعرفي.”

أخرجت من حقيبتي غلافاً قماشياً حُفظ فيه البلوفر الصوفي ذو البتلة البنية، البلوفر الذي كان الشاهد الوحيد على الخديعة وعلى البطولة. سلمته لابنتي وقلتُ لها: “احفظي ده كويس يا ابنتي.. ده مش مجرد بلوفر، ده قصة حب وتضحية خلتنا كلنا عايشين النهارده.”

تطلعتُ إلى السماء الصافية، وشعرتُ بنسمة هواء دافئة تلامس وجنتيّ، تماماً كأنها لمسة ليلى وهي تودعني في تلك الليلة البعيدة من عام 1986 وتهمس لي: “سيبولي حتة تورتة كمان…”

تنفسْتُ الصُّعداء لأول مرة في حياتي، وكرتُ ظهري للمقابر، وأمسكتُ بيد سلمى وأنا أمشي نحو الضوء، بعد أن أُغلق الكتاب، وانتهى الكابوس إلى الأبد.

هذة الرواية من وحي خيال الكاتب ولا تمت للواقع بصلة

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى