
عادت السيارة المرسيدس القديمة الخاصة بحسين، شقيق أحمد، تلتهم الطريق السريع من الغردقة إلى القاهرة في صمت رهيب، لا يقطعه إلا صوت أنفاس سعاد المتسارعة ونظرات داليا الغاضبة من شباك السيارة. أحمد كان يجلس في المقعد الأمامي بجوار شقيقه الذي استدعوه على عجل من السويس ليقلّهم بعدما عجزوا عن دفع تكاليف الإقامة أو حتى حجز حافلة للعودة. لم يكن يجرؤ على النظر في مرآة السيارة. يداه كانت تتصببان عرقاً وهو يمسك بمحفظته الخاوية، وذاكرته تعيد إنتاج صوت المحامية الصارم عبر الهاتف: “أمامك 48 ساعة للحضور للمكتب لتسوية الأمور ودياً، أو اتخاذ الإجراءات الجنائية بشأن الاستيلاء على بيانات مالية شخصية”.
في الفيوم، كانت نورهان تجلس في شرفة منزل والدها القديم، أمامها كوب من الشاي بالنعناع ونوتة صغيرة تقيد فيها أرقام الحسابات وتصفيات الأراضي التي أتمتها صباح اليوم مع أخيها الأكبر. كان طفلاها، عمر وملك، يلعبان في حديقة المنزل براحة لم يعتادا عليها وسط مشاحنات الشقة الضيقة في الجيزة.
رن هاتف نورهان. كان المتصل هذه المرة هو شقيق أحمد الكبار، “حسين”.
فتحت الخط ببرود:
— السلام عليكم يا أبوعلي.
رد حسين بنبرة يحاول فيها فرض الوقار العائلي لكنها لم تخلُ من الاضطراب:
— عليكم السلام يا نورهان. يا أم عمر.. إيه اللي بيحصل ده؟ أحمد وأمي وداليا راجعين في الطريق معايا، وأمي دمها حامي وحسناتها ضايعة. بقى معقولة يروحوا الغردقة ويرجعوا من على باب الفندق عشان الكروت مقفولة؟ دي عيبة في حقنا وحقك!
ردت نورهان بثبات هز كبرياء حسين:
— العيبة الحقيقية يا حسين بيه، إن راجل يتفق مع أمه وأخته يغفلوا مراته، وياخدوا بيانات كروتها البنكية اللي شايلاهم وشايلة بيته 14 سنة من ورا ضهرها، ويكذبوا عليها ويقولوا لها “روحي افحري في الأرض وطلعي البطاطس عشان تساندي جوزك”، وهو طالع يصرف شقاها في فنادق الغردقة. العيبة إنك تتصل تلومني أنا، بدل ما تسأل أخوك جاب الجرأة دي منين.
سكت حسين لحظات، ثم قال بتلعثم:
— أحمد غلطان، أنا ما بقولش مش غلطان.. بس الموضع ما يوصلش للمحاكم والشرطة يا نورهان! إحنا عيلة واحدة، والبيوت أسرار.
— البيوت أسرار لما تتبنى على الاحترام، مش لما أكتشف إن جوزي بيقف ورايا يسرق أرقام الـPIN من شنطتي. اللي بيني وبين أحمد دلوقتي بقى ورق وأرقام، ومكتبي القانوني مستنيه بكرة الساعة 10 صباحاً. لو أتى، نتكلم.. لو لم يأتِ، بلاغ الاستيلاء على بيانات مالية والسرقة الجسيمة هينزل النيابة الساعة 12.
قفلت نورهان الخط دون أن تنتظر رداً، ومسحت اسم حسين من سجل المكالمات.
في تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، كان أحمد يقف أمام برج سكني راقٍ في شارع مراد بالجيزة. كان وجهه شاحباً، وتحت عينيه هالات سوداء تجسد ليلة طويلة قضى نصفها في محاولة اقناع أمه وأخته ببيع بعض ذهبهن لإنقاذه، ونصفها الآخر في مواجهة شتائم سعاد التي اتهمته بـ “ضعف الشخصية” أمام زوجته.
صعد في المصعد، وقلبه يدق بشدة. حين دخل مكتب الأستاذة “فريدة”، وجد نورهان تجلس بأناقة شديدة، ترتدي بدلة رسمية كحلية، وأمامها ملف أسود سميك، وإلى جوارها تجلس المحامية بملامحها الحادة.
جلست المحامية وأشارت له بالجلوس.
— اتفضل يا أستاذ أحمد.
جلس أحمد وهو يحاول استعادة جزء من هيبيته المفقودة:
— أظن الموضوع مش محتاج محامين يا نورهان. إحنا متجوزين بقالنا 14 سنة، وفيه بيننا عمر وعيال. الكارت اللي أخدت أرقامه أنا كنت فاكره حساب مشترك للبيت!
ابتسمت المحامية فريدة ابتسامة تهكمية، وفتحت الملف الأسود:
— حساب مشترك؟ الأستاذة نورهان محاسبة يا أستاذ أحمد، ومعانا حصر مالي شامل بكل مليم دخل وخرج من يوم زواجكم لغاية النهاردة.
أخرجت الأستاذة فريدة مجموعة من الأوراق والطباعات البنكية المعتمدة ورصتها أمامه:
— أولاً: شقتكم في الجيزة، حضرتك كاتب في عقد الزواج إنك متكفل بالسداد، لكن كشوفات البنك بتثبت إن نورهان هي اللي دفعت 80% من الأقساط من حسابها الشخصي طوال 10 سنوات، بمجموع يوازي مليون و400 ألف جنيه.
ثانياً: تأمين السيارة التي تركبها وتعمل بها في المعرض، مدفوع بالكامل من حساب نورهان.
ثالثاً: مدارس “عمر” و”ملك” الخاصة، المصاريف مخصومة سنوياً من كارت نورهان الشخصي.
رابعاً وهو الأهم.. أخرجت المحامية ورقة مصورة بخط يد أحمد: هذه النوتة التي كتب فيها أرقام الكارت الاحتياطي والـ CVV الخاص بنورهان، ومرفق معها شهادة تفصيلية من البنك تتضمن المحاولات الفاشلة لاستخدام الكارت في فندق الغردقة في تمام الساعة 2:15 ظهراً يوم الأحد، بالإضافة لمحاولات سابقة لشراء مشتريات إلكترونية.
بلع أحمد ريقه بصعوبة وقال بصوت خفيض:
— أنا كنت هرد الفلوس أول ما ينزل لي عمولة معرض العربيات..
ردت نورهان لأول مرة، بصوت هادئ ولكنه يقطع كالسيف:
— عمولة إيه يا أحمد؟ إنت عمولتك كلها بتطلع بيها على كافيهات المهندسين وسفريات صحابك، والمبلغ الثابت اللي بتديهولي كل شهر ما يجيش ثمن أكل وشرب العيال أسبوع واحد! إنت ما كنتش شايفني زوجة ولا شريكة، إنت كنت شايفني “بنك” شغالة محاسبة ومستقرة، ومفروض عليا أدفع وأصرف، وفي الآخر أطلع الفيوم “أفحر في الأرض” عشان سيادتك تتفسح مع أمك وأختك بفلوسي!
قال أحمد بغضب يحاول التغطية به على خجله:
— أمي وأختي مالهمش دعوة! أمي ست كبيرة وكانت عايزة تغير جو!
ردت نورهان:
— وأمك الست الكبيرة دي، لما كانت بتشرب القهوة في بيتي وقالت لي “الست الشاطرة تساند جوزها”، كانت فاكرة إن المساندة هي إن مراتك تتسرق عشان ابنها يدلع؟ أمك يا أحمد هي اللي حرضتك، وداليا أختك هي اللي اقترحت السفرية بالمنظر ده لأنها عارفة إنك ما حلتكش حاجة، وكنتم مراهنين إن هسكت وأرضى بالأمر الواقع عشان الخوف على بيتي!
تدخلت المحامية فريدة وقاطعت الجدال:
— أستاذ أحمد.. الإجراءات اللي قدامنا كالتالي، وإحنا مش جايين نتفاوض على مشاعر، إحنا بتتكلم في حقوق مالية وقانونية:




