منوعات

بعد تلات شهور2

اليوم التاني في مكاتب «الدمنهوري جروب» كان مختلف تماماً.

الساعة كانت تمان الصبح، والشمس لسه طالعة فوق النيل، بس مبنى الإدارة الرئيسية في وسط البلد كان بيغلي. الحراس، الموظفين، ورؤساء القطاعات، كلهم واقفين صفين قدام المدخل الرئيسي، والتوتر كان بيملا الهوا. عربيات الشرطة وممثلين النيابة العامة كانوا ماشيين في كل حتة بيجمعوا الدفاتر والأجهزة، والكل كان بيبص لي بنظرة جديدة كليا.. نظرة احترام مهووس بالخوف.

دخلت من باب المبنى، ولابس بدلة رسمية سوداء بكتف حاد، وشعري مرفوع بإحكام، وماسكة نفس الملف الجلدي البني في إيدي. ورايا كان واقف مدير الشئون القانونية الجديد اللي عينته فوراً، ومعاه فريق كامل من المحاسبين الجنائيين اللي قضيت معاهم سنين طويلة بدرس ثغرات الشركات الكبرى.

خطوات كعبي العالي كانت بتخبط على الرخام الفاخر بصوت منتظم وواضح، كأنها دقات ساعة بتعلن ميلاد عهد جديد.

وصلت لمكتب رئيس مجلس الإدارة في الدور الأخير.. المكتب اللي كان حكر على أبويا، وبعده قعدت فيه «عفاف» بكل غرور كأنها ملكة العالم. فتحت باب المكتب الضخم، ولقيت «كريم» قاعد جوه لوحده على الكرسي الجلدي الكبير، ووشه باهت، وعينيه حمرا من السهر والانهيار. لما شافني دخلت، قام بصدمة وعصبية حاول يخبيها تحت رعب حقيقي:

– «إنتي فاكرة نفسك عملتي إيه؟! أبويا هو اللي بنى كل ده بدمه وعرقه! إنتي جيتي على الجاهز تسرقي تعب سنين! الشركة دي بتاعتي.. بتاعتي أنا وعمي وعيلتنا، مش وحدة زيك جات من الشارع!»

وقفت قدام المكتب بهدوء تام، وحطيت الملف الجلدي على الخشب الفاخر، وبصيت له بنظرة فاحصة كأني بقيم بضاعة تالفة، وقلت بصوت حاد وبارد:

– «تعب سنين؟.. ولا سرقة سنين يا كريم؟»

طلعت ورقة من الملف ورميتها قدامه على المكتب:

– «اقرأ كويس.. دي مراجعة حسابات الـ خمس سنين اللي فاتوا. أبوك الله يرحمه، وبمساعدة محامي العيلة فاروق اللي دلوقتي بيشرب الشاي مع مباحث الأموال العامة في التوقيف، حولوا أكتر من ثلاثمائة مليون جنيه من أرباح فنادق الساحل لحسابات سرية باسم أمك عفاف وباسمك، في ملاجئ ضريبية برة مصر. يعني بالحرف الواحد.. إنتوا كنتوا بتنهبوا الشركة اللي أمي أسستها وساهمت بـ 51% من رأس مالها الأساسي من أيام ما كنت أنت لسه بتلعب في التراب!»

كريم بلع ريقه بصعوبة، ووشه اتلون بألوان الطيف من الفضيحة والقهر، وصرخ بصوت مهتز:

– «يعني.. يعني عايزة تعملي إيه؟ تطردينا؟ ترمينا في الشارع زي ما عملتي مع أمي؟»

قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه مباشرة، ونبرة صوتي كانت أهدأ بكتير بس أرعب بكتير:

– «الفرق بيني وبينكم يا كريم.. إني مش زيكو. أنا مش هرميك في الشارع، ومش هحطك في أوضة الخدم.. تعرف ليه؟ لأن النذالة مش طبعي. بس قانون الشركة، والقانون الجنائي.. لا يعرف رحمة ولا عاطفة.»

في اللحظة دي، باب المكتب خبط، ودخل المدير التنفيذي للشركة – الراجل العجوز اللي كان بيشتغل مع أمي من أيام زمان، وبكى يوم ما ماتت وطردوه هو كمان – ودخل معاه ضابط من مباحث الأموال العامة واثنين من الحرس.

الضابط بص لكريم وقال بجدية:

– «السيد كريم محمود الدمنهوري.. بأمر من النيابة العامة، صدر قرار بالقبض عليك بتهمة التستر على تهريب أموال عامة، وتزوير محررات رسمية، وتسهيل الاستيلاء على المال العام. اتفضل معانا بهدوء!»

كريم صرخ بجنون وبدأ يرفس الكراسي، وحاول يجري ناحيتي بس الحرس مسكوه في ثانية وكتفوه، وهو بيصرخ بصوت عالي:

– «دانة! والله لهندمك! والله ما هسيبك! دي شركتي! دي فلوسي!»

صوته كان بيقل ويتبخر لحد ما خرجوا بيه من المكتب خالص، ورجع الصمت والهدوء يسيطروا على المكان من تاني.

قعدت على نفس الكرسي الجلدي الكبير اللي كان قاعد عليه.. كرسي رئيس مجلس الإدارة.

شميت ريحة الجلد الطبيعي.. وفتحت درج المكتب، ولقيت صورة قديمة.. صورة ماما وهي شابّة، واقفة جنب أبويا في أول يوم افتتاح للشركة، وكانوا بيبتسموا لبعض بحب حقيقي، قبل ما الفلوس والطمع والزواج الثاني يدمروا كل حاجة.

خدت الصورة، مسحت الغبار الخفيف اللي عليها بإيدي بحنان، وحطيتها قدامي على المكتب بالضبط.

باب المكتب اتفتح ببطء شديد، ودخلت «عفاف».

شكلها كان منهار تماماً، شعرها منكوش، وبدون أي مكياج، وعقد اللؤلؤ أبو 50 ألف دولار مكنش على رقبتها خلاص.. دخلت وهي بتترعش، ووقفت قدام المكتب، ووقعت على ركبتها على الأرض من التعب والانهيار، ورفعت ايدها بترجي وهي بتعيط:

– «دانة.. أرجوكِ.. ابوس إيدك.. ابني في السجن، وأنا.. أنا مفيش معايا حتى ملليم واحد أعيش بيه.. الحسابات كلها اتقفلت.. سامحيني.. اعتبريني أمك.. اعتبريني خدامة تحت رجليكي بس بلاش تسجنيني وبلاش تحرمينا من كل حاجة!»

بصيت لها وهي بالمنظر ده.. فكرت في كل ليلة نمتها في أوضة السطوح الباردة، في كل دمعة نزلتها وأنا شايفة ريحة أمي بتتطرد من البيت، في كل مرة استقصدوا فيها  روحي ويحسسوني إني ولا حاجة.

وقفت من على الكرسي، ومشيت لحد ما بقيت واقفة قدامها وهي قاعدة على الأرض. بصيت لها من فوق لتحت، وبنبرة قوية وباردة كالثلج، قلت لها:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى