
– «أمي لما ماتت.. وقفتي قدام جثمانها وقلتي لأبويا اخلص من بنتها البجحة دي.. ودلوقتي.. أنتي واقفة قدام بنتها وبترجيها عشان تعيش؟.. اللعبة خلصت يا عفاف.»
أشرت للحرس اللي واقفين بره، وقلت بصرامة:
– «خدوها.. على النيابة فوراً، وخلوا الحسابات تراجع كل فلس اتسرق من رصيد الشركة.. ومش عايز أشوف وش حد منهم هنا تاني أبداً!»
## الفصل الرابع: إمبراطورية من رماد
مرت أسابيع قليلة، لكنها كانت كفيلة بتغيير وجه «الدمنهوري جروب» بالكامل.
مكاتب الإدارة اللي كانت مtodراة بـالغرور والتعالي، بقت بيئة عمل نظيفة ومنظمة. الهيمنة القديمة لعفاف وكريم اتمسحت كأنها مكنتش موجودة أصلاً. النيابة العامة أنهت تحقيقاتها الموسعة، وثبتت تهم التزوير وغسيل الأموال وتهريب الأصول بحق «فاروق» محامي العيلة و«كريم»، واتحولت القضية لمحكمة الجنايات بأحكام قاسية تبدأ بالسجن المشدد لسنوات طويلة.
أما «عفاف»، فبعد ما اتجردت من كل ممتلكاتها، وانسحب منها حتى حق الإقامة في القصور اللي كانت بتباهي بيها، لقت نفسها وحيدة في شقة إيجار صغيرة بعيدة عن وسط البلد، بعد ما تخلت عنها كل “عيلة الهوانم” اللي كانوا بيطبلوا لها أيام العز والفلوس.
كنت قاعدة الصبح بدري على نفس الكرسي الجلدي الكبير في مكتبي، بتمم على ميزانية الشراكة الجديدة مع أكبر المطورين العقاريين في الخليج، لما باب المكتب خبط بهدوء، ودخل مدير الشئون القانونية.
– «يا فندم.. في واحدة برة طالبة تقابل حضرتك بإلحاح شديد.. رافضة تمشي و بتقول إنها لازم تشوفك شخصياً.»
رفعت عيني من على الملفات، وقلت بنبرة هادئة:
– «مين؟»
– «السيدة.. عفاف عبد الحميد.»
الاسم نزل في الغرفة كأنه طيف قديم من كابوس بعيد. ابتسمت بسخرية خفيفة، وقلت له:
– «دخلها.. خليني أشوف إيه تاني ممكن تطلبه واحدة خسرت كل كبريتها.»
بعد لحظات، فتح الباب ودخلت «عفاف».
المنظر كان صادم حتى بالنسبة لي. الست اللي كانت لابسة ألماس وعقد لؤلؤ بـ 50 ألف دولار، وكانت بتمشي في القاعات كأنها صاحبة الكون، بقت ماشية بظهر منحي، ووش باهت غارق في التجاعيد والدموع، ولابسة عباية سادة قديمة. وقفت قدام المكتب، ورمت نفسها على الكرسي اللي قدامي من غير إذن، وبصت لي بصوت مكسور ومرتجف:
– «دانة.. أنا.. أنا جيت لك كسرانة.. ابني في السجن، ومفيش معايا ملليم أكل بيه نفسي.. اعتبريني زي أمك اللي ماتت، ارحمي عجزي وضعفي!»
بصيت لها بثبات، ومن غير أي تعاطف أو حتى غضب.. الغضب راح، ومبقاش مكانه غير البرود المطلق. فتحت الدرج، وطلعت ظرف ورقي صغير، وحطيته على الحافة بتاعة المكتب، وزقيته قدامها ببطء.
– «إيه ده؟» سألت بصوت مرتعش وهي بتمد إيدها المرتجفة.
– «ده شيك براتب شهري ثابت، يكفيكِ أكل وشرب وعلاج في مسكن محترم.. وفي نفس الوقت، تكلفة تذكرة سفر لبلدك القديمة في الريف عشان تعيشي هناك بعيد عن عاصفة المديندي»، قلتها وأنا باصة لعينها مباشرة.
فتحت الظرف وشافت الشيك، ورفعت راسها بصدمة:
– «إنتي.. إنتي بتطرديني برة مصر؟!»
– «مش بطردك.. أنا ببساطة برجع كل حاجة لمكانها الصح»، وقفت من على الكرسي وظبطت ياقة بدليتي الرسمية، وكملت بصوت حاسم:
– «أنا مش ظالمة زيك، ومش هرميك في الشارع.. بس وجودك هنا هو تذكرة يومية لكل قسوة وذل عشتهم في البيت ده. خدي الشيك، وسيبي المفاتيح، واعتبري الفصل ده اتقفل للأبد من حياة دانة الدمنهوري.»
حاولت تفتح بقها عشان تتكلم أو تعترض، بس لقت نظرة عيني قاطعة زي السيف. فهمت إن النقاش انتهى. قامت وهي بتترعش، وخدت الظرف في إيدها، وخرجت من المكتب بخطوات بطيئة ومتعثرة، ومن غير ما تنطق بحرف واحد.
قعدت تاني على الكرسي، وبصيت من الإزاز الكبير على نيل مصر وهي الشمس بتنعكس على مويته، وحطيت إيدي على الصورة القديمة لماما وببابا في أول يوم.. حسيت إن الروح رجعت للمكان، وإن الحق، مهما طال عليه الزمن ومهما اتلعب في دفاتره، مصيره يرجع لصاحبه الحقيقي.
## الفصل الخامس والأخير: شروق جديد على إمبراطورية الدمنهوري
بعد مرور سنة كاملة على يوم المحكمة التاريخي، كان مبنى «الدمنهوري جروب» بيشهد احتفالية ضخمة بمناسبة مرور ثلاثين سنة على تأسيس الشركة. بس الاحتفالية السنة دي كانت مختلفة تماماً عن أي سنة فاتت؛ مكنتش مجرد تجمع لرجال الأعمال والشركات عشان المظاهر، بل كانت احتفالاً حقيقياً بالعدالة، بالنجاح، وبإعادة بناء إمبراطورية على أسس نظيفة وطاهرة.
كنت واقفة قدام الواجهة الزجاجية الكبيرة في الدور الأخير، لابسة فستان سهرة أبيض أنيق وبسيط، ومن غير أي تكلّف مبالغ فيه. على رقبتي.. كان بيلتف عقد اللؤلؤ الأصلي اللي كان لـ أمي، العقد اللي عفاف لبسته بغرور يوم المحكمة وكأنه غنيمة، ورجع لمكانه الشرعي والطبيعي على رقبتي، بيلتمع ببريق هادئ وواثق.
باب المكتب خبط، ودخل المدير التنفيذي العجوز، وهو بيابتسم بسعادة واضحة:
– «يا فندم.. القاعة تحت امتلت عن آخرها، وكل كبار المستثمرين في مصر والخليج وصلوا، وفي انتظار كلمتك.»
بصيت له وابتسمت بثقة:
– «تمام يا عم محمود.. دقيقة واحدة وأكون نازلة.»
خرج وسابني لوحدي ثواني معدودة. قربت من المكتب، وبصيت للصورة القديمة لماما وببابا اللي حطيتها في مكانها البارز على الخشب الفاخر. لمست إطار الصورة برقة، وهمست بصوت عالي كأني بكلمها:
– «حقك رجع يا ماما.. والإمبراطورية بقت في أمان، ولا عمر حد هيقدر يدوس على اسمك أو يمحيه تاني.»
نزلت على السلالم الرخامية الفخمة بخطوات ثابتة وواثقة، وكل عيون الحضور اتلفتت ليا في صمت تام، صمت مش خوف ولا رهبة زي زمان.. ده كان احترام حقيقي لامرأة قدرت تسترد حقها وتفرض نفسها على القمة بكل جدارة.
طلعت على المسرح الصغير، مسكت الميكروفون، وبصيت للناس بابتسامة هادئة:
– «أهلاً بيكم كلكم في بيتي.. بيتي اللي اترسخ على الشقاء، والتعب، والإصرار، والحق اللي مهما طال الزمن لازم يرجع لأصحابه.»
قاعة الحفل هزت بالصفيق الحار والمستمر من كل الحاضرين.
في اللحظة دي.. بصيت للسماء من إزاز القاعة العالي، ولقيت القمر منور بنوره الصافي فوق النيل. حسيت إن كل جروح الماضي التلت، وإن شنطة السفر القديمة اللي خرجت بيها زمان من أوضة السطوح.. بقت مجرد ذكرى بعيدة لرحلة طويلة انتهت بإنشاء عرش حقيقي، محدش يقدر يهزه أبداً.




