صحة و جمال

حكاايات امانى السيد 3

«أدفع عمري كله يا هاني عشان أشوفك مستور في بيتك وعينك مرفوعة قدام نسيبك ومراتك! الفلوس دي ملهاش قيمة عندي لو مش هتخدمك وتلم شملك أنت وعيلتك!».

في اللحظة دي، كان الباب بيتفتح بشويش، ومراته حنين كانت واقفة على العتبة شايلة الولد وسمعت كل كلمة قولتها من ورا الباب. حنين دخلت وبصت لي وعيونها غرقانة بالدموع، حطت الولد على الكنبة، وقربت مني ومسكت إيدي الاثنين وحطتهم على وشه وبستهم بحرقة.

«ربنا يخليكي لينا يا طنط.. ويكثر من خيرك»، قالتها بصوت بيترعش من التأثر. «أنا مش معترضة إننا نرجع الشقة.. بالعكس، هاني محتاج محيطه وناس يساعدوه، وأنا عرفت أدي إيه أنتِ اتغيرتي وإد إيه قلبك محروق على ابنك.. بس أنا ليا شرط واحد يا طنط، والشرط ده هو اللي هيحدد شكل حياتنا الجاية كلها».

وقفت حنين في نص الأسرّة، وبصت لـ هاني اللي كان متعلّق بشفايفها وعينيه مليانة تمني، وبعدين التفتت لي ورسمت على وشها ابتسامة هادية بس فيها حزم وكرامة وقالت: «شرطي يا طنط مش عشان أكسر عين حد ولا أضايقك.. شرطي إن الشقة ترجع تتكتب باسم هاني وبس، فلوسك اللي تدفعيها تبقى دين في رقبتنا نردها لك أول ما هاني يقوم بالسلامة ويرجع شغله، عشان ما أحسش في يوم إني عايشة في بيت بجميلة حد. والشرط الثاني.. إن باب شقتنا فوق يفضل مقفول بخصوصيتنا، وأنتِ بابك تحت مقفول بخصوصيتك، تنزلي لنا كأُم عزيزة وست البيت، وننزل لك بالنظام والأصول، من غير ما حد يتدخل في زبالة التاني ولا في فواتير التاني، ولا نسمع كلمة عن مصاريفنا قدام الغريب قبل القريب.. لو وافقتي على كده، أنا إيدي في إيدك بكرة ونرجع العمارة مرفوعين الراس!».

الدموع جرت على خدي من الفرحة، وقلبي دق كأني اتولدت من جديد. مسكت إيد حنين وبستها بحرقة وقلت لها بثبات وعزم: «وافقت يا بنتي.. وافقت وربنا شاهد عليا من فوق سبع سماوات! الدرس كان قاسي وقصم ضهري، ومستحيل أكرر الهبل والجنان ده تاني. شقتكم هترجع لكم ورجلي مش هتخطى عتبتها إلا بعزومة واستئذان، وزبالتكم وخصوصياتكم خط أحمر، لو شفت كيس طالع مش هبص ناحيته حتى!».

هاني اتنفس براحة كأنه كان محبوس تحت الأرض وطلع للنور، وابتسم وقال بصوت مبحوح: «يبقى اتفقنا.. ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم الأثنين».

في نفس اليوم بالليل، اتصلت بالمشتري القديم لشقتهم، وبدأت أخلّص في الإجراءات بسرعة وبدون تردد. سحبت كل القرشين اللي حيلتي من البنك، الفلوس اللي كنت شايلاها للزمن، وعرفت إن أفضل زمن أصرف فيه الفلوس دي هو الوقت اللي هشتري بيه راحة بال ابني وكرامته. دفعت الثمن كاملاً ورجعت الشقة باسم هاني زي ما حنين اشترطت، ونضفتها بيدي، وخليت البواب يبيض الحيطان ويهوي المكان عشان يستقبل هاني ومراته والبيبي.

بعد أسبوعين من المتابعة في المستشفى، جه اليوم الموعود اللي هاني هيخرج فيه. حجزنا عربية إسعاف مجهزة، ورجعنا العمارة. أول ما عربية الإسعاف وقفت تحت في الشارع، أهل العمارة كلهم اتجمعوا في المدخل وعلى البلكونات. أم أحمد وأم محمود والبواب والشباب، كله كان واقف يترقب.

الشباب شالوا هاني بالنقالة بالراحة وطالعين بيه السلم، وأنا كنت ماشية جنب النقالة ماسكة إيده، وحنين ماشية ورايا شايلة ياسين وبتبص للجيران بثقة ورأس مرفوعة. أم أحمد قربت مني وهزت راسها وقالت بحنية حقيقية: «حمد الله على سلامته يا أم هاني.. نورتوا العمارة، وربنا يجعله آخر الأحزان ويبارك لكم في المولود!».

رديت عليها بهدوء ووقار من غير ما أزيد في الكلام ولا أفتح أبواب للرغي القديم: «الله يسلمك يا أم أحمد، عقبال حبايبك يا رب».

طلعنا هاني لشئته، وقعدناه على السرير اللي اتفرش بملاءات جديدة ورائحة العاطفة والبيت الدافي كانت مالية المكان. حنين جابت لي الشاي وقعدت جنبي، وحنا العريس كان واقف يتطمن على بنته وزوجها، وقال لي قبل ما يمشي: «كده أمانة بنتي وابنك في رقبتك يا أم هاني.. وأنا طالع ومطمن إن الشمل اتلم على خير وبأصول».

عدت الأيام وهاني قاعد في السرير بينفّذ تعليمات العلاج الطبيعي، وأنا بقيت ألتزم بشرطي بالحرف. أعمل الأكل الشاهي في شقتي تحت، أطلع أحطه على الصينية، وأخبط على الباب بثبات. لما حنين تفتح لي، أقول لها بابتسامة: «ده غداكم يا بنتي، حطيه لـ هاني، ولو محتاجين أي حاجة أنا في شقتي تحت نادوا عليا».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى