صحة و جمال

حكاايات امانى السيد 3

وحنين نفسها اتغيرت معاملتها ليا؛ لما شافت مني الالتزام والوقار والاحترام لخصوصيتها، بقت هي اللي تنزل لي بالولاد وتقعد معايا بالدليل والساعات، وتسيب ياسين في حضني يلعب وياكل من إيدي، وتقول لي: «ربنا يخليكي لينا يا طنط، أنتِ بركة البيت ده».

وبعد ست شهور من المتابعة والتمارين والوجع، جه اليوم اللي هاني قعد فيه على طرف السرير، وحط إيده على عكازه، وبدأ يضغط على رجله بخطوات ثقيلة ومترددة. كنت واقفة على الباب برة، وحنين واقفة جنبه ماسكة إيده، وياسين وقاف في الصالة بيبص لأبوه بيشجعه.

هاني رفع رجله الأولى، وبعدين الثانية، ومشي خطوات صغيرة بثبات في صالة الشقة، وعينيه دمعت من الفرحة وقال: «أنا قمت يا حنين.. أنا وقفت على رجلي تاني!».

حنين حضنته وهي بتعيط، وأنا وقفت على الباب بدموع الفرحة وأنا بحمد ربنا وبقول: «الفضل والحمد لك يا رب.. رجعتهولي ورجعتلي بيتي وعيلتي!».

بس الفرحة دي ما كملتش هدوءها بليلة واحدة.. في نفس اليوم بالليل، الساعة كانت اتناشر بالليل، سمعنا خبط شديد ومفاجئ على باب العمارة تحت، وصوت زعاق وحركة غير طبيعية في الممر، والبواب طالع يجري على السلم وبيصرخ بصوت عالي: «لحقوا يا أستاذ هاني! الحقوا يا ست أم هاني! المشتري القديم بتاع الشقة جايب بلطجية تحت وبيقول إن الشقة دي بتاعته وإن العقود اللي اتكتبت مزورة وهياخد الشقة بالقوة بكرة الصبح!».

انقبض قلبي لحظة، بس المرة دي ما كانش خوف ولا ضعف، كان غضب أم حاربت عشان تلم شمل بيتها ومش هتمسح لحد يقف في طريق راحة ابنها وعيلته تاني. التفتّ لـ هاني ومراته لقيتهم بيترعشوا، وهاني بيحاول يتسند على العكاز بخوف إنه يخسر الشقة اللي لسه راجع لها بدم قلبه.

وقفت في نص الصالة، وبصيت لـ هاني بثبات وقوة لمستها جوايا لأول مرة وقلت له بصوت صارم: «اقعد مكانك يا هاني، وخليك جنب مراتك وابنك. رجلُك لسه مكسورة ومش هسيبك تقف قدام بلطجية. الشقة دي أنا شارياها بالقانون وبالقرش الحلال، وعقودها معايا مسجلة وموثقة، وأنا اللي هقف للكلاب دول!».

نزلت السلم بخطوات حاسمة، وأم أحمد وأم محمود والجيران كانوا طالعين يجروا مذعورين. فتحت باب العمارة ووقفت على العتبة، كان الراجل المشتري القديم واقف مع اتنين بلطجية ماسكين شوم وبيزعقوا بعين عينها الشر.

أول ما شافني طلعت، وقف الراجل وقال بقلة أدب: «أهو السنيورة طالعة! الشقة دي تتفضى النهاردة! الفلوس اللي ادتهالي ناقصة وعقد البيع اللي معاكي بلّيه واشربي ميته!».

وقفت حاطة إيدي في جنبي، وبصيت له بنظرة فحم وقوة هزت كيانه، وقلت بصوت علالي في الشارع كله: «أنت جاي تتصعلك على ست كبيرة وابن مريض طالع من حادثة يا ناموسة؟ الفلوس استلمتها كاملة قدام المحامي وعديت برياضاتك في البنك، والمبايعة مثبتة بصوت وصورة ومحضر رسمي! فاكر عشان هاني عاجز مش هتعرف تاخد حقك؟ العمارة دي فيها رجال، والمنطقة دي ليها حكماء، والشرطة تفصل بيننا خلال خمس دقائق!».

البواب والشباب من جيران العمارة، اللي كانوا زمان بيتغمزوا عليا، أول ما شافوا وقفتي ودفاعي المستميت عن بيتي وابني، اتجمعوا ورايا زي الجدار. ابن أم أحمد وشباب الشارع مسكوا الخشب والتفوا حوليا وقالوا بصوت واحد: «الست أم هاني خط أحمر يا جدع أنت! الشقة دي شقة ابنها بالقانون، ولو فكرت تمد إيدك أو ترفع صوتك هنسحلك في الشارع!».

طلعت تليفوني بثبات، وطلبت النجدة، وقعدت أملّي الملازم العنوان بصوت واطي ومفهوم: «بلاغ عن محاولة اقتحام وبلطجة وتزوير عقود ف حارة كذا..». الراجل أول ما شاف شباب الحارة اتلموا والشرطة جاية في السكة، وشه اصفر، والبلطجية اللي معاه أخدوا بعضهم وجريوا، وهو لف ضهره وجري وراهم كالمفزوع.

بعد ساعة، كانت النجدة جات، وأخدت الأوراق والعقود، وعملنا محضر عدم تعرض ورسمي أثبتنا فيه ملكية هاني للشقة بشكل نهائي وقاطع، والشرطة أكدت إن أي محاولة اقتراب هتودي الراجل ده في سيتين داهية.

هاني حط إيده على كتفي، وقبل رأسي بحرقة وقال: «أنا طول عمري فاكر إنك بتخربي بيتي يا أمي.. بس النهاردة عرفت إنك السند والحماية اللي من غيرها البيت ده كان يتهدم في ثواني. ربنا يخليكي لينا يا أمي وما يحرمناش من هيبتك وقوتك».

حنين قربت، وأخدت إيدي وحطتها على خدها وقالت: «أنا آسفة يا طنط إن الشك دخل قلبي في يوم من الأيام.. أنتِ مش بس حماتي، أنتِ أمي وظهرنا في الدنيا دي».

من اليوم ده، اتغيرت حياتنا تماماً. الشقة فوق بقت جَنّة، هاني رجع لشغله بكرامة ورأسه مرفوعة بعد ما خف تماماً وبقى يمشي على رجليه زي الأول وأحسن. حنين بقت تنزل لي كل يوم الصبح، تعملي القهوة ونقعد نتكلم ونضحك كأصحاب وأم وبنتها، وياسين الصغير بقى يجري في الصالة تحت ويلعب في حضني، وأنا بضمه وأشم ريحته وأشكر ربنا على النعمة.

أما أكياس الزبالة؟ بقت تنزل مع البواب كل يوم الصبح من غير ما أبص عليها ولا أعرف فيها إيه. عرفت إن السعادة مش في التفتيش عن أسرار الناس ولا في الفضايح، السعادة الحقيقية في الستر، وفي إنك تقفل بابك على حبايبك وتحميهم برموش عينيك.

قعدت في البلكونة في يوم شمس دافي، شفت هاني وحنين طالعين من باب العمارة ماسكين إيد بعض وبيضحكوا، وياسين ماسك إيد أبوه. بصوا لي فوق في البلكونة، ولوحوا لي بابتسامة مليانة حب وحنان. ابتسمت ورُردت لهم التلويحة، وأنا بحمد ربنا إن القصة القديمة اتسفلت، وإن ألبوم الخراب اتمسح للبد، واتكتب مكانه ألبوم تاني خالص.. ألبوم الستر والمحبة والعيلة اللي مفيش حاجة تقدر تكسرها.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى