
بصيت للمظروف الأبيض اللي في إيدي كأني ماسكة حتة من قلبي، ورفعت عيني لابني المجهد اللي كان واقف مستني مني الوعد. دموعي كانت بتنزل بسكوت، ومن غير ما أنطق بكلمة، هزيت راسي.. هزيتها بوجع وكسرة، وأخدت المظروف وضمنته لصدري.
ابني اتنفس بصوت عالٍ كأن هم تقيل انشال من فوق صدره، طبطب على كتافي طبطبة خفيفة وقال بصوت دافي بس مليان وداع: «ربنا يخليكي ليا يا أمي.. وما يحرمكيش من الصحة». لف ضهره ونزل السلم بخطوات سرعة، ومستناش أقول أي حاجة.
بعد العصر، سمعت حركة دبة رجليين وشيل وحط فوقي. المشتري جه، رجل غريب بعيلته، وحسيت بكبسة قلب وأنا أسمع صوته وهو بيتفق مع ابني وبيستلم المفاتيح. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام أملي وستري وسعادة ابني، بقت ملك لناس غريبة. نزل ابني السلم للمرة الأخيرة، ما خبطش عليا، بس سمعت صوت عربية وهي بتبعد عن العمارة، وعرفت إن الخيط الأخير اتكسر بالكامل.
فتحت المظروف وأنا قاعدة في ضلمة الصالة. طلعت الصورة.. شفت وش حفيظي، ولد ملاك بيبتسم، عينيه كبار وشبه ابني لما كان صغير بالضبط. قعدت أبص للصورة وأحطها على قلبي وأبكي لحد ما عيوني ورمت. الصورة دي بقت هي مؤنستي الوحيدة في الدنيا.
مرت تسع شهور كمان.. تسع شهور من الوحدة القاتلة. العمارة بقت أهدى، والجيران خلاص بقوا يتعاملوا معايا بجفاء رسميات، يسلموا من بعيد لبعيد. الشقة اللي فوقي بقى يسكنها الراجل الجديد ومراته وعياله، وصوت خطواتهم فوق رأسي كان بيذكرني كل ثانية باللي خسرته.
وفي يوم في منتصف الشتاء، والجو مطر وهوا يكسر العضم، جاء لي تليفون غريب. رفعت السماعة وإيدي بتترعش من البرد، لقيت صوت حما ابني.. صوت الراجل الصارم اللي كان يرفض يبص في وشي.
قال بصوت واطي ومردود، خالي من القسوة القديمة: «أنا بكلمك يا أم هاني.. عشان أبلغك أمانة. ابنك هاني اتعرض لحادثة طريق وهو راجع من شغله بالليل، والعربية اتقلبت بيه، وهو حالياً في الرعاية المركزة في مستشفى المحافظة هنا…».
الخط قطع أو التليفون وقع من إيدي، ما بقتش فاكرة. كل اللي افتكرته إني صرخت صرخة هزت أركان العمارة كلها، صرخة طلعت من أعمق مكان في قلبي، نزل على أثرها البواب وأم أحمد يجروا على الباب المفتوح.
أول مرة من سنة كاملة، أم أحمد تدخل شقتي، مسكتني وهي خايفة وقالت: «مالك يا ختي؟! في إيه إيه اللي جرى؟!».
قلت وأنا بلطم على وشي وبصرخ: «ابني يام أحمد! ابني بين الحياة والموت في بلد غريبة! ابني بيموت بعيد عني!».
أم أحمد ما ترددتش ثانية، نسيت كل اللي فات وكل الزعل والفضايح، وحضنتني وقالت للبواب: «انزل هات تاكسي بسرعة يا حسن! الست دي لازم تسافر لابنها حالاً!».
سافرت في نص المطر والليل، الطريق كان أسود وزي الموت، وأنا بطبطب على صورة حفيظي اللي في جيب جلبابي وأدعي ربنا دعوات العاجز المكسور: «يا رب خذ عمري واديله، يا رب لا تفجعني فيه، يا رب ما تحرمنيش منه قبل ما أطلب منه السماح للمرة الأخيرة!».
وصلت المستشفى مع أذان الفجر. المحافظة الغريبة كانت ساكتة وغارقة في المطر. دخلت المستشفى أجر رجليا زي الميتة، لحد ما وصلت للدور اللي فيه الرعاية المركزة.
شفت حما ابني واقف في الممر، وجنبه مراته، ومراته ابني كانت قاعدة على الكرسي ضامة رجلها لصدرها وبتبكي بحرقة وتبص لشبابيك العناية.
أول ما شافوني، محدش منهم صرخ ولا حد قال لي «امشي» زي زمان. الوجع الكبير بلع كل الزعل القديم. أم مراته قامت وقفت وبصت لي بدموع، ومراته رفعت رأسها وهي منهارة، وعيني جات في عينها لأول مرة من سنين.
قربت من باب العناية المركزة، وبصيت من الإزاز الدائري.. شفت ابني نايم، الأجهزة مالية جسمه، والمونيتور بيزمر بصوت منتظم وضعيف، ووشه مليان جروح ولزق طاقية أبيض.
نزلت على ركبي قدام الإزاز، وحطيت إيدي الاثنين عليه وأنا بنتحب بصوت يقطع القلب. مراته قامت من مكانها بخطوات ثقيلة، وجت وقفت جنبي قدام الإزاز.. حطت إيدها على كتفي وهي بتعيط، وقالت بصوت مكسور: «ادعيله يا طنط.. ادعيله، هو محتاج دعواتك دلوقتي أكتر من أي وقت فات…».
حسيت بإيدها على كتفي كأنها طوق نجاة اترملي في أعمق بحر. مسكت إيدها وبستها وأنا بدمع وقلت: «سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا رب تموتني ولا تفجعنا فيه.. سامحيني على كل كلمة وكل كيس زبالة وكل فضيحة عملتها ف حقك!».
مراته بكت بحرقة وقالت: «مسامحاكي يا طنط.. والله مسامحاكي من زمان، بس أدعي له يقوم لنا بالسلامة.. ابنك كان بيحبك وكان بيحكي لي عنك كل يوم وهو بيعيط!».
الكلمة دي نزلت على قلبي كشلال نار.. ابنك كان بيحبك وكان بيعيط عليكي كل يوم.
قعدنا كلنا في الممر، نطبطب على بعض ونستني المعجزة، مرت ساعات الفجر الصعبة حاسمة، والدكاترة داخلين طالعين وجوههم جادة وتخوف. وقبل الشمس ما تطلع مباشرة، خرج الطبيب الرئيسي من غرفة العناية، ووقف في نص الممر وهو بيشيل الكمامة من على وشه…
الدكتور اتنفس بصوت عالٍ، وبص لنا بابتسامة خفيفة هدّت جبال الهم اللي كانت على صدورنا، وقال: «الحمد لله، الكدمات اللي على الرئة بدأت تخف، والنزيف الداخلي وقف تماماً من غير ما نحتاج نتدخل جراحياً. النبض استقر، ونقدر نقول إن النزيف عدى مرحلة الخطر بنسبة كبيرة، وهننخله لغرفة عادية خلال ساعات لمتابعة جروح الكسر اللي في رجله».
أم مراته سجدت على الأرض في نص الممر تحمد ربنا، ومراته اترمت في حضني وهي بتبكي بحرقة وشهقات فرحة هزت جسمها كله: «الحمد لله يا طنط.. الحمد لله ربنا استجاب لدعاكي ورجعهولنا بالسلامة!».
ضميتها لصدري بدموع حامية، وبكيت معاها بكاء طالع من أعمق مكان في قلبي. حماها قرب مني ونزل رسه في الأرض متأثر، وقال بنبرة دافية وخالية تماماً من أي ضغينة: «حمد الله على سلامته يا أم هاني.. ربنا ما يحرمكمش منه، ولا يحرم ابنكم الصغير من أبوه».
بعد أربع ساعات، نقلوا هاني لغرفة عادية. دخلت مراته الأول تطمن عليه، وأنا فضلت واقفة برة في الممر، خايفة أدخل، خايفة رؤيتي تضايقه أو ترفع ضغطه وهو لسه طالع من العناية. كنت ببص عليه من الشباك الصغير بتاع الباب وهو نايم، إيده ملفوفة بالشاش ورجله متعلقة في الجبس، وشه شاحب بس فيه روح ونبض.
بعد شوية، خرجت مراته وبصت لي بابتسامة مليانة رجاء وقالت: «ادخلي له يا طنط.. هو صحي وأول حاجة سأل عليها لما شافني هي أنتِ.. قالي هو سمع صوتك بتدعي له برة العناية ولا ده كان حلم؟».
رجلي كانت بتترعش وأنا بفتح الباب. دخلت بخطوات خايفة ومترددة، الريحة في الأوضة كانت ريحة مطهرات ومستشفيات، بس وجوده كان مالي المكان. أول ما قربت من سريره، هاني فتح عينيه ببطء شديد. التقت عينيا بعينيه، ولأول مرة من سنتين، ما شفتش في عينيه لا القسوة ولا البعد.. شفت نظرة ابن مكسور ومحتاج لأمه.
هاني اتنفس بصعوبة، وحرك صوابعه بالراحة ورد إيدي بالمسكة، قالي بصوت خافت ومبحوح جداً: «بعيد الشر عنك يا أمي.. ادعيلي بس.. دعواتك هي اللي جابتني من الموت».
قلت له وأنا بنتحب: «سامحني يا بني.. سامحني على كل وجع سببتهولك، على كل ليلة بات فيها قلبك مقهور، وعلى كل كلمة قالتها الجيران بسبب غباوتي. والله العظيم لو عايزني أختفي من الدنيا كلها وما تشوفش وشي تاني هعمل كده، بس تفضل بخير وتعيش وسط مراتك وابنك!».
هاني غمض عينيه لحظة، ودمعة دافية نزلت من طرف عينه على المخدة، وقال بنبرة تقطع القلب: «أنا اللي آسف يا أمي.. أنا قسيت عليكي وقطعت بيكي وعشتك في ظلمة لوحدك.. الحادثة دي لما شفت فيها الموت بيمر من جنبي، ما افتكرتش غيرك.. افتكرت دعواتك ليا وأنا صغير، وعرفت إن العمر لحظة وأقصر من إننا نعيشه في جفاء وزعل».
في اللحظة دي، الباب اتفتح، وخلت مرات هاني وهي شايلة ابنهم الصغير «ياسين» بين إيديها. الولد كان كبر وبقى مناغش، عينيه زي عينين أبه بالضبط. قربت من السرير وقالت لـ هاني: «شوف مين جه يطمن على بابا».
هاني بص لابنه بابتسامة مكسورة، وبعدين التفت ليا وقال بصوت مليان رجاء: «شيلي حفيدك يا أمي.. كفاية بقى صور في التليفون وفي الجيب.. شيليه في حضنك واعرفيه بريحتك».
إيديا اتجمدت، وبصيت لمرات هاني بخوف، لقيتها بتبتسم لي وبتمسح دموعها، وقربت مني وحطت الولد بالراحة بين دراعاتي. أول ما لمست جسم الصغير وشميت ريحته، حسيت بزلزال بيزق كل الندم والوجع اللي عشته السنين اللي فاتت برة قلبي. ضميته لصدري بشويش، والولد حط إيده الصغنونة على وشي وبدأ يناغش ويتكلم بلغته الغريبة.
بصيت لـ هاني ولمراته وللولد، وحسيت إن الدفا بيرجع لعمري من أول وجديد.. بس الفرحة دي كانت محاطة بسؤال تقيل كان شاغل بال الجميع: هاني هيفضل عاجز عن الحركة لشهور بسبب كسر الحوض والرجل، وهيتحدد مصير شغله وعيشته في البلد الغريبة دي إزاي؟ وهل مراته هتقبل ترجع الشقة الإيجار جنب عمارتنا القديمة عشان أراعيه، ولا الماضي هيرجع يفرض شروطه من جديد؟
هذه القصة من وحي خيال الكاتب لا تمت للواقع بصلة




