قصص وروايات

حكايات اسما 1

بصيت للصندوق باستغراب.

 

فكملت وهي بتمد إيدها ناحيتي:

 

— هي وصّتني ما أديكش الصندوق ده غير بعد ما تتوفى… وقالتلي لازم تفتحه بنفسك.

 

مديت إيدي وأخدته منها.

 

كان صندوق صغير، وعلى غطاه اسمي مكتوب بخط إيدها.

 

فضلت أبص للكتابة ثواني، وقلبي بيدق بسرعة.

 

وبعدين فتحت الصندوق…

 

وأول ما شفت الحاجة اللي كانت جواه، اتسمرت مكاني، وحسيت إن نفسي من شدة اة!

 

أخذت الصندوق البلاستيكي الصغير وأنا أنظر إلى اسمي المكتوب بخط يدها المرتعش على الغطاء، وكأن روحها كانت حاضرة معنا في تلك اللحظة. رفعت الغطاء ببطء شديد، وهناك كانت الصدمة التي جمدت الدم في عروقي.

لم يكن الصندوق مليئًا بالمجوهرات، ولا بالهدايا المعتادة، بل وجدت بداخله ثلاثة أشياء بالتمام:

أولها، دفتر ملاحظات صغير ومهترئ الأوراق.

وثانيها، بطاقة دعوة زفاف قديمة ومطوية بعناية.

أما ثالثها، فكانت علبة صغيرة من القماش القطيفة، وبداخلها خاتم ذهبي بسيط للغاية، يحمل نقشًا صغيرًا لتاريخ اليوم الذي التقينا فيه للمرة الأولى.

نظرت إلى أختها الماشية في دموعها، فابتسمت وسط بكائها وقالت بصوت متهدج:

— أختي كانت عارفة إنك هتقرأ كل كلمة، وهي كتبت الكلام ده وهي في أشد تعبها.. عن إذنك يا دكتور.

تركتني أختها واقفًا بجوار سيارتي، بينما العالم من حولي كأنه توقف عن الحركة. ركبت السيارة، وأغلقت الباب بإحكام، وكأنني هارب بعالمي الجديد إلى جزيرة منعزلة. أخذت نفسًا عميقًا، ومددت إيدي لأخرج دفتر الملاحظات. فتحت الصفحة الأولى، وبدأ عيني يقع على خطها الجميل الذي طالما رأيته يوقع على تقاريرها الطبية، لكنه هذه المرة كان يحمل شيئًا مختلفًا تمامًا: رسالة لي.

تقول الكلمات الأولى في الدفتر:

“إلى الطبيب الذي أعاد الحياة إلى قلبي قبل أن يتوقف..

أعرف أنك تشعر الآن بالوجع، وأنك تتساءل في سديم عقلك: لماذا فعلت هذا؟ ولماذا أصررت على أن أربط اسمي باسمك وأنا أعلم أن نهايتي باتت على الأبواب؟

دعني أحكي لك الحكاية من بدايتها.. الحكاية التي لم أجرؤ على إخبارك بها كاملة.”

أكملت القراءة ودموعي تنهمر بصمت على خدي، وتوالت الكلمات على الورق لتكشف لي سرًا لم أكن أتخيله قط:

“منذ ثلاث سنوات، وفي نفس هذا المستشفى، كنت مجرد طالبة مكسورة الجناح، أتعلم أول خطواتي في الحياة قبل أن يداهمني المرض اللعين. يومها، كنت أنت تقف في الممر الخارجي، ترتدي بالطوك الأبيض الجديد، وتنظر إلى لافتة المستشفى بفخر عارم. لم تكن تعلم، لكنني كنت أراقبك من خلف زجاج الغرفة. رأيت كيف كنت تذاكر ليل نهار على مقاعد الانتظار، ورأيت التعب والإصرار في عيناك، ورأيت فرحتك العارمة عندما ظهر اسمك على لوحة الأطباء المقبولين رسميًا.

منذ ذلك اليوم، ومن دون أن تشعر، أصبحت أنت بطل قصتي السرية. كنت أنظر إليك وأنت تمر من أمام غرفتي، فأتفاءل وأستمد منك القوة وأنا أصارع آلام العلاج الكيماوي. عندما كنت تمرض أو تتعب من نوبات السهر الطويلة، كنت أدعو لك في صلاتي بأن يحفظ الله حلمك.

ولما ساءت حالتي، وأخبرني الطبيب المعالج أن أيامي معدودة، لم أكن أبكي على نفسي.. بل كنت أبكي لأنني سأرحل من هذه الدنيا قبل أن أعترف لك، وققبل أن أترك في قلبك أثرًا يجعلك تتذكرني دائمًا ولا تنسى تلك الفتاة التي أحبتك بصمت.

ولذلك، عندما اقتربت النهاية، جمعت كل ما تبقى في جسدي من قوة، وطلبت منك ذلك الطلب المستحيل. لم أكن أريد الشفقة، ولم أكن أبحث عن دراما أخيره.. كنت أريد فقط أن أعوض سنوات من الصمت، وأن أعيش معك يومين فقط كزوجة لمن ملك قلبي طوال سنوات مرضي. والآن، ورغم أنني رحلت، اعلم أنني تركت في هذا الصندوق كل ما تبقى مني لك.”

قلبت الصفحة لأجد تفسيرًا للشيء الثاني في الصندوق: بطاقة الدعوة القديمة.

كانت بطاقة لحفل تخرجك، وهي البطاقة التي لم تستطع حضورها لأنك كنت متأخرًا في نبطشية ليلية شاقة. مكتوب على ظهرها بخط يدها: “يوم تخرجك يا دكتور، كنت أتمنى لو أكون في الصفوف الأولى لأصفق لك، فاحتفظت بهذه البطاقة كذكرى لأول إنجاز عظيم حققته في حياتك”.

أما الخاتم الذهبي، فكانت تحتفظ به منذ أمد بعيد كأثمن ما تملك، وقررت أن تعطيه لي ليكون شاهدًا على أنني لم أكن مجرد طبيب عالج مريضة، بل كنت شريك حياة لروح أحبته بصدق حتى آخر رمق.

أغلقت الدفتر، ووضعت رأسي على عجلة القيادة، وطلعت مني تنهيدة طويلة تحمل كل مشاعر الحب والفقد والامتنان. لقد أدركت حينها أن الأيام القليلة التي عشناها معا لم تكن قصيرة أبدًا، بل كانت مليئة بالحياة الحقيقية أكثر من سنوات عمر كاملة.

مرت أسابيع على رحيلها، ولم أعد الطبيب نفسه الذي دخل المستشفى قبل سنوات. تغيرت ملامحي، وعمق الحزن نظرتي، لكن بقيت في قلبي شعلة من الأمل والبهجة التي زرعتها هي. صرت أدخل على المرضى، وأبتسم لهم، وأقول لهم ما كانت تقوله لي دائمًا: “لا تنسوا أن الضحك يبقينا أحياء”.

وفي ليلة هادئة، وأنا جالس في غرفتي أراجع أوراق الدفتر للمرة المئة، سمعت صوت طرقات خفيفة على باب شقتي. فتحت الباب، فإذا بصدمة ثانية تقف أمامي على عتبة الدار…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى