
وفي اليوم الرابع، الصبح بدري، جه إشعار لحسام من نقطة الشرطة في منطقة “الجيوشي” بالجمالية.. منطقة قديمة وبعيدة عن العطارين.
الضابط كلم حسام وقال له:
* “يا حسام بيه.. عندنا ست وبنتين صغيرين مقبوض عليهم في بيت مهجور في الجمالية، والست رافضة تتكلم أو تتصل بحد، بس لقينا في شنطتها صورة ورقة فيها رقمك ومكتوب عليها ‘حسام زوزو’.”
حسام طار بعربيته على قسم الجمالية، ووراه وفاء اللي أصرت تروح معاه.
أول ما دخلوا القسم، شافوا زينب قعدة على دكة خشب، هدمتها متبهدلة، والدموع جافة على وشها، وجنى ومليكة نايمين في حضنها من التعب والخوف، جسمهم بيترعش من البرد.
وفاء جرت عليها، حضنتها وحضنت البنات وبقت تبكي بصوت هز القسم كله:
* “ليه يا زينب؟ ليه تعملي فينا وفي نفسك كده؟ ده إحنا كنا بنموت في كل ثانية!”
زينب بصت لوفاء بعيون ميتة، وصوتها طلع مخنوق:
* “أنا ملقتش مكان أروحه يا وفاء.. أهلي ماتوا، وقرايبي طمعانين، وما كنتش عايزه أكون سبب خراب بيتك.. حجزت أوضة في لوكاندة قديمة وسرقوا فلوسي بالليل، ورمونا في الشارع، فقعدت في البيت المهجور ده عشان أستر البنات لحد ما ألاقي شغلة!”
حسام وقف قدام الضابط، خلص الإجراءات، وبص لزينب بصوت صارم ومفيش فيه تراجع:
* “أنا سكادي وسكوتي السنين اللي فاتت كان احترام لأمي وإخواتي.. بس النهاردة، الشرع والقانون وحق ربنا هو اللي يمشي. أنتِ مراتي، والبنات دول بناتي، والبيت اللي خرجتي منه مش هتدخليه زائرة ولا مكسورة.. هتدخليه بسيد الموقف!”
رجع حسام بيهم على حارة العطارين. بس المرة دي، حسام ما دخلش البيت من الباب الخلفي. وقف العربية في نص الحارة، ونزل زينب والبنات قدام عينين أهل الحارة كلهم.
جمع كبارات الحارة، وطلب من شيخ المسجد ييجوا بيت “حاج متولي”.
دخل حسام الصالة، وورا زينب ووفاء والبنات. وكانت الحاجة فاطمة قاعدة، ومجدي وسامح حاضرين فاكرين إن حسام جاي يستسلم.
حسام وقف في نص القعدة، وبص لكبارات الحارة وقال:
* ” يا أشيخنا ويا كبارات الحارة.. القعدة دي مش عشان أستأذن حد، القعدة دي عشان أعلن حقيقة قدام ربنا والناس. مجدي وسامح بياكلوا وشي ويقولوا إني واكل حق اليتامى وإني طمعان في شقة أخويا.”
طلعت حسام من جيبه دفتر توفير وأوراق رسمية ومستندات، ورماهم على الترابيزة قدام شيخ الحارة:
* “دي أوراق تثبت إن شقة المرحوم محمد مكتوبة باسم بناته جنى ومليكة من سبع سنين! وده دفتر توفير فيه نص أرباح تجارتي كل شهر ينزل باسم البنات مناصفة مع ولادي الصبيان! أنا ما أخدتش من ورث محمد مليم، أنا كبرت ورثه وصنت أمانته!”
شيخ الحارة مسك الورق وبص فيه، وبص لمجدي وسامح بنظرة قرف وخزي:
* “يا خسارة الرجولة! يا خسارة الدم! حسام عامل اللي ما يعملهوش الأب لولاده، وأنتم نازلين تشككوا في ذمته وتشوهوا أرملة أخوكم؟!”
حسام كمل كلامه، وبص لمجدي وسامح:
* “والشقة اللي فوق، دي شقة زينب وبناتها، ومحدش منكم له خرم إبرة فيها. وأنتوا يا مجدي أنت وسامح.. مالكمش دخول البيت ده ثاني، ولا ليكم دعوة ببنات أخوكم، لأنكم أثبتوا إنكم مش أعمام، أنتم تجار آلام!”
الحاجة فاطمة هزت رأسها بالبكاء، وبصت لزينب وقالت بصوت مكسور وهي بتمد إيدها يترعش:
* “تعالي يا زينب.. تعالي يا بنت حلال.. سامحيني يا بنتي، الشيطان عماني وخنقتني ذكرى محمد، بس شفت بعيني إن العمار كان في وجودك، والخراب كان في بعادك.. سامحيني يا زينب عشان ربنا ما يحاسبنيش!”
زينب جرت على الحاجة فاطمة، ونزلت على ركبها بست إيدها ورأسها، والبنات حضنوا جدتهم، والبيت كله اتملى بالبكاء والدموع، بس المرة دي كانت دموع الفرج والتطهير.
طرود حسام مجدي وسامح برة القعدة وبرة البيت، وأهل الحارة كلهم خرجوا يباركوا لحسام ويقدموا الاعتذار لزينب.
لكن.. هل الشيطان انتهى عند كده؟
مجدي وهو طالع برة الحارة، بص لبيت حسام بشر وقال لسامح بصوت واطي:
* “حسام افتكر إنه كسب المعركة بالأوراق والشيوخ.. بس وحياة دم أخونا محمد، لأخليه يدفع ثمن الحطة دي غالي، الشقة دي مش هنسيبهاله، والسر اللي تحت الأرض في بيت العطارين لازم ينفتح!”
تاترى إيه السر اللي خبيه مجدي وسامح تحت بيت حاج متولي؟ وإزاي الحرب القادمة مش هتكون على زينب، لكن هتكون على أصل البيت والتجارة كلها؟
خرج مجدي وسامح من الحارة والغل بيغلي في عروقهم، عيونهم متسلطة على بلكونة الدور التاني اللي كانت زينب واقفة فيها بتضم بناتها. الحارة كلها كانت بتبارك لحسام على وقفته وموقفه، بس تحت الأرض وفي كواليس البيت القديم، كانت فيه نار ثانية بتتجهز عشان تحرق كل حاجة.
بعد قعدة الصلح بجمعة، البيت بدأ يسترد عافيته. البركة رجعت، والضحكة عادت لوش وفاء وزينب، والبنات جنى ومليكة رجعوا لمدرستهم ورأسهم مرفوعة قدام الكل. الحاجة فاطمة لزمت سجادتها، كل ما زينب تدخل عليها تبوس رأسها وتطلب منها يدعيلها، وكأن ربنا شال الغشاوة عن عينها وعرفها مين الصالح ومين الطالح.
بس مجدي ما يسكتش. مجدي كان عليه ديون للجمالين وتجار والآثار في الجبل، وكان مراهن إن شقة محمد والأرض اللي تحت البيت هي الخلاص الوحيد لرقبته.
في ليلة ظلمة كحلي، حسام كان سهران في المحل تحت في أول الحارة بيراجع حسابات البضاعة. فجأة، جه ابن عمهم “خالد” وهو بيلهث وشايل روحه على إيده:
* “لحق يا حسام! مجدي وسامح جايبين رجال غريبة ومعاهم لودر صغير، وواقفين في الأرض الفاضية اللي ورا حيطة بيتك الخلفية وبيحفروا!”
حسام قام اتنطر من مكانه، أخد معاه عمال المحل وجري على الأرض الفاضية. لقوا مجدي واقف وسط تلات رجال شكلهم يخوف، وفي إيدهم أجهزة كشف وعصي، ونازلين حفر تحت الحيطة الساندة لبيت “حاج متولي”.
حسام صرخ فيهم وهو بيقرب بخطوات زي الرعد:
* “أنت بتعمل إيه يا مجدي أنت وهو؟! أنت هتطير البيت فوق دماغ أمك والنسوان والأولاد؟!”
مجدي وقف وبص لحسام بابتسامة صفرا كلها شر:
* “البيت ده بيت أبونا يا حسام! وأنت خدت منه الرغيف واللحمة وسيبت النا العظم! الأرض دي تحتها ‘الدفينة’ اللي أبونا الله يرحمه مات وهو بيبحث عنها، ومحمد أخونا قبل ما يموت قال لي إن تحت الشقة القديمة سرداب ممتد للبيت ده! السرداب ده فيه رزقنا، مش رزقك أنت ومراميت أخوك!”
سامح قرب وقال بصوت مغلول:
* “ولو فاكر إنك بالجامع والشيوخ والورق سديت نَفَسنا، تبقى غلطان! البيت ده لو ما طلعش نصيبنا منه، يتهد على اللي فيه!”
حسام اتجنن، هجم على مجدي وأخد منه الفأس اللي في إيده، واشتبك العمال مع الرجالة اللي مجدي جايبهم. الحارة كلها صحيت على الصوت، والضرب بقى بالحديد والخشب. وفاء وزينب نزلوا يجورا على الشارع، والحاجة فاطمة تصرخ من البلكونة وهي بتدعي على ولدها اللي طمع في طين الأرض ودم إخوته.
وسط الهوجة، مجدي زق حسام بقوة، وحرك دراع اللودر ضرب بيه الساس القديم بتاع حيطة الصالة تحت. الصوت طلع زي الانفجار! الحيطة اتشرخت بشرخ طولي عريض، والبيت كله اتهز هز شديدة، وأصوات الصريخ والتراب طلعت لغنان السماء.
زينب جرت على حسام اللي كان مطروح على الأرض ورأسه بتجيب دم:
* “حسام! قوم يا حسام! البيت بيقع!”
حسام قام، مسح الدم من عينيه، وبص للحيطة اللي اتشرخت، ولقى طالع من داخل الشرخ حاجة محدش كان يتوقعها.. صندوق خشب قديم ملفوف بسلاسل صديدة، ومعاه ورقة مطوية ومقفولة بشمع أحمر كانت مدفونة جوة الحيطة الفاصلة بين شقة محمد وشقة الحاجة فاطمة!
مجدي عيونه برقت بالشر والجشع، وقرب عايز يخطف الصندوق، بس حسام زقه بجسمه ورفع الفأس في وشه:
* “إيدك لو اتمدت على حاجة هنا، هقطعها يا مجدي! البيت ده اتهز بسبب جنونك، والسر ده هيتقرأ قدام الحارة كلها!”
أهل الحارة اتلموا وتدخلوا وحجزوا مجدي وسامح، ورجال الشرطة جوم على صوت الهدد والشغب. الضابط تحفظ على المكان وعلى مجدي وسامح، وطلب فتح الصندوق والورق قدام كبارات المنطقة والنيابة لمعرفة حقيقة الملكية والسر اللي ورا الهدد.
شيخ الحارة مسك الورقة القديمة المقفولة بالشمع الأحمر، وفتحها قدام حسام والحاجة فاطمة ومجدي اللي كان مقبوض عليه بالكلبشات.
شيخ الحارة قرأ الورقة، وعيونه اتفتحت من الصدمة، وبص للمرحوم “حاج متولي” في الصورة المعتلقة على الحيطة، وبعدين بص لمجدي وسامح وقال بصوت يزلزل النفوس:
* “اتقوا الله يا أصحاب القلوب الميتة! أباكم الله يرحمه كتب الورقة دي قبل ما يموت بشهر وحطها في ساس البيت مع وصيته الرسمية!”
مجدي اتلخبط وقال وهو بيترعش:
* “وصية إيه؟! الأرض دي بتاعتنا!”
الشيخ كمل قراءة بصوت عالي اسمع الكل:
* “‘أنا الحاج متولي، أشهد الله وأنتم يا أهل الحارة، إن كل ما أملك من البيت والتجارة أصله من عرق وتعب جوز بنتي حسام، وإن ابني محمد الله يرحمه ومجدي وسامح أخدوا حقوقهم وزيادة في حياتي وراموا طوبتي.. وإن البيت ده وقف لله ثم لبنات ابني محمد ولزوجتي فاطمة، ولا يحق لمجدي ولا لسامح فيه قيراط واحد، لأنهم باعوا أبيهم في حياته!’.”
الصدمة نزلت زي الصاعقة على مجدي وسامح. الحاجة فاطمة لطمت على وشها وقالت:
* “أبوكم كان عارف طمعكم وقسوة قلوبكم! أردتم تهدوا البيت على دماغنا، وربنا كشفكم وفضحكم بالسر اللي تحت الأرض!”




