عام

طفلتى حكايات اسما 3

عمر سكت لحظة.

— أبوك عرف إني عايش بعد الحادثة، لكنه ما قالكش.

آدم غمض عينيه.

كان نفسه يسمع أي إجابة غير دي.

عمر كمل:

— من حوالي سنة، بدأت ذاكرتي ترجع. افتكرتك، وافتكرت ندى وبنتي… وحاولت أوصلك.

— وليه ما وصلتش؟

— منصور كان بيراقب اتصالاتي. لكن واحد من العاملين القدامى في المستشفى ساعدني أبعت رسالة لسلمى.

آدم سأله:

— وإنت جيت هنا إزاي؟

عمر قال:

— ناهد عرفت إن ذاكرتي رجعت، وخافت أتكلم. نقلتني للمزرعة دي من أيام، وقالت إنها هتساعدني أقابل مريم… لكني اكتشفت إنها كانت بتدور على الملفات اللي سلمى مخبياها.

آدم قرب منه.

— ومريم… تعرف إن عندك بنت؟

عمر دموعه نزلت.

— شوفت صورتها من شهور… بنتي كبرت وأنا بعيد عنها.

آدم مسك إيده.

— هتشوفها يا عمر… وهتعوضوا اللي فات على قد ما تقدروا.

عمر هز راسه وهو بيعيط.

— أنا مش عايز فلوس ولا شركات… أنا عايز بنتي تعرف إن أبوها ما سابهاش بمزاجه.

في نفس الليلة، اتكشفت تفاصيل جديدة في التحقيق.

ناهد اعترفت إنها نقلت الطفل من المستشفى من غير إذن، بحجة إنها كانت عايزة تمنع ظهور نسبه لشريف قبل تسوية خلافات الميراث.

لكن المحقق واجهها بالتسجيلات والرسائل، وبوجود عمر في المزرعة.

ناهد حاولت تلقي المسؤولية على منصور.

ومنصور، لما عرف إن عمر ظهر وإن المستندات وصلت للجهات المختصة، قرر يتكلم.

قال إن فؤاد كان عارف إن عمر نجا من الحادثة، وإنه وافق على إخفاء الخبر خوفًا من فضيحة العقود القديمة.

لكنه أكد إن حادثة العربية نفسها محتاجة تحقيق مستقل، وإنه مش هيقدر يجزم مين تسبب فيها من غير الأدلة.

أما فؤاد، فلما استدعته النيابة، دخل وهو فاكر إن نفوذه هيحميه.

لكن آدم كان واقف في الممر.

فؤاد قرب منه.

— آدم… أنا أبوك.

آدم بصله بعينين حمرا.

— وأنا كنت ابنك لما أخويا اختفى، ولما كنت بتقوللي إنه مات، ولما بنت أخويا كانت بتنام جعانة؟

فؤاد نزل عينه.

— كنت خايف أخسر كل حاجة.

آدم رد بصوت هادي موجوع:

— وخسرتنا إحنا.

فؤاد حاول يتكلم، لكن آدم كمل:

— أنا مش هظلمك ولا هحكم عليك قبل التحقيق… بس مش هخبي الحقيقة علشان اسم العيلة.

وبعدها مشي.

وسابه واقف لوحده.

بعد أسبوعين، كانت سلمى خرجت من المستشفى، وحالتها اتحسنت بشكل واضح.

آدم جه ياخدها هي والأطفال، لكن سلمى رفضت تروح قصر الشاذلي.

— أنا مش عايزة أعيش في بيت أبوك يا آدم.

آدم ابتسم.

— ومين قالك إنك هتروحي هناك؟

سلمى بصتله باستغراب.

— أمال فين؟

آدم قال:

— في بيت صغير قريب من المستشفى، فيه جنينة، وأوضة لكل طفل، ومجهز بكل اللي تحتاجوه لحد ما ترجعي تقفي على رجلك.

سلمى دموعها نزلت.

— آدم… أنا مش عايزة صدقة.

آدم رد:

— وأنا مش بديكي صدقة. ده مكان مؤقت وآمن، وإنتِ ليكي حقوق لازم ترجعلِك، وأنا هساعدك توصليلها بالقانون.

سلمى سكتت.

وبعدين قالت:

— إنت لسه زي ما إنت… بتحاول تصلح كل حاجة.

آدم ابتسم بحزن.

— المرة دي بحاول أصلح اللي أقدر عليه، من غير ما أقرر مكانك.

وفجأة مريم جريت عليهم.

— عمو آدم! هو عمو عمر جاي النهارده؟

آدم نزل على ركبه قدامها.

— أيوه يا مريم… بس فيه حاجة لازم أقولك عليها.

البنت بصتله بقلق.

— حاجة وحشة؟

آدم ابتسم.

— لأ يا حبيبتي… حاجة حلوة أوي.

وفي اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح.

دخل عمر على كرسيه المتحرك، ومعاه أخصائي العلاج الطبيعي.

مريم بصتله باستغراب.

وبعدين بصت لآدم.

— مين ده؟

آدم قال بصوت مخنوق:

— ده عمر… باباكي يا مريم.

البنت اتجمدت.

— بابا؟!

عمر مد إيده ناحيتها، ودموعه بتنزل.

— أيوه يا قلب بابا… أنا آسف إني اتأخرت عليكي.

مريم فضلت واقفة ثواني.

وبعدين قربت منه بحذر.

— إنت بابا اللي في الصورة؟

عمر هز راسه.

— أيوه.

مريم بصت لرجليه.

— وإنت ليه قاعد على كرسي؟

عمر ابتسم وسط دموعه.

— علشان رجلي تعبت شوية يا حبيبتي.

مريم سألته السؤال اللي قطع قلب كل اللي واقفين:

— طب إنت كنت فين لما كنا جعانين؟

عمر غمض عينيه.

ومقدرش يرد فورًا.

آدم كان هيتدخل، لكن عمر رفع إيده.

بص لبنته وقال:

— كنت تعبان وبعيد عنكم غصب عني… ولما عرفت أوصلك، جيت على طول. ومش هكدب عليكي وأقولك إن كل حاجة هتبقى سهلة، بس هفضل أحاول أكون جنبك.

مريم بصتله لحظة طويلة.

وبعدين سألته:

— يعني مش هتسيبني تاني؟

عمر فتح دراعاته.

— هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أفضل معاكي.

وفجأة مريم جريت عليه، ورمت نفسها في حضنه.

— يا بابا!

عمر حضنها وانهار في العياط.

وسلمى كانت واقفة جنب الباب، بتبكي في صمت.

أما آدم، فكان باصص للمشهد، وحاسس إن كل الفلوس اللي جمعها طول عمره ما كانتش تساوي اللحظة دي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى