
مرت ست شهور.
التحقيقات في قضايا العقود والتوكيلات القديمة استمرت، واتعرضت المستندات على جهات الفحص المختصة.
واتخذت إجراءات قضائية ضد عدد من المتورطين، مع استمرار الفصل في مسؤولية كل شخص بحسب الأدلة.
أما عمر، فبدأ رحلة علاج وتأهيل طويلة.
مكنش رجع يمشي زي الأول، لكنه بقى يقدر يقف لفترات قصيرة بمساعدة العلاج.
ومريم دخلت مدرسة جديدة.
كانت كل يوم ترجع تحكيله عن أصحابها ومدرستها، وهو يسمعها بفخر.
وياسين بقى يروح الحضانة، والرضيع عمر رجع لرعاية أبوه شريف بعد ما ثبتت هويته واتنظمت ترتيبات رعايته قانونيًا.
وشريف، اللي كان طول عمره ضعيف قدام أمه، قرر أخيرًا يتحمل مسؤولية ابنه.
أما سلمى، فرجعت تمارس شغلها في المجال الطبي بعد مراجعة موقفها المهني واستكمال الإجراءات اللازمة.
وآدم ساعدها تفتح مركز طبي صغير في المنطقة اللي كانت ساكنة فيها.
لكنها أصرت إن المشروع يبقى قائم على شغلها، وإن أي تمويل يكون بعقد واضح.
آدم وافق من غير تردد.
وفي يوم افتتاح المركز، كانت سلمى واقفة قدام اللافتة الجديدة.
مكتوب عليها:
“مركز الرحمة للرعاية الطبية — د. سلمى عبد الرحمن”
آدم قرب منها.
— مبروك يا دكتورة.
سلمى ابتسمت.
— فاكر لما كنت بتقولي إنك هتفتحلي مستشفى؟
آدم ضحك.
— فاكر.
— أهو أنا فتحت مركز بنفسي.
آدم بص لها بإعجاب.
— وده أجمل بكتير.
سلمى سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— آدم… أنا عارفة إن اللي حصل زمان وجعنا إحنا الاتنين.
آدم هز راسه.
— أيوه.
— بس أنا اتغيرت… وإنت كمان اتغيرت.
آدم بص لها بهدوء.
— عارف.
سلمى كملت:
— أنا محتاجة وقت أرتب حياتي، وأربي ولادي، وأرجع أثق في نفسي.
آدم ابتسم.
— خدي كل الوقت اللي تحتاجيه يا سلمى… أنا مش مستعجل على حاجة.
سلمى ابتسمت ودموعها لمعت.
— شكرًا يا آدم.
وفجأة مريم جريت عليهم.
— عمو آدم! بابا عمر بيقولك تعالى بسرعة!
آدم اتخض.
— في إيه؟!
مريم ضحكت.
— عاملينلك مفاجأة!
دخل آدم المركز.
لقى عمر قاعد على كرسيه، وياسين جنبه، وشريف شايل ابنه الصغير، وكريم واقف مع مجموعة من العاملين.
وفي نص الأوضة، كانت فيه تورتة كبيرة.
مكتوب عليها:
“شكرًا يا عمو آدم.”
آدم ضحك.
— إيه ده كله؟!
مريم قربت منه وهي ماسكة ورقة مطوية.
— أنا كتبتلك جواب.
آدم نزل لمستواها.
— طب اقريهولي.
مريم فتحت الورقة وبدأت تقرأ بصوت طفولي:
“عمو آدم…
أنا فاكرة أول يوم شوفتك فيه.
كنت بردانة وجعانة وخايفة، ومحدش عايز يسمعني.
كنت فاكرة إن الناس الغنية كلها مش بتحب الفقرا.
بس إنت سمعتني.
واشتريتلي اللبن.
وساعدت ماما.
ورجعتلي بابا.
أنا عارفة إنك مش ساحر، وإنك ما عملتش كل ده لوحدك، بس إنت أول واحد صدقني لما طلبت المساعدة.
ولما أكبر، نفسي أبقى دكتورة زي ماما، وأساعد أي طفل جعان أو تعبان.
علشان محدش يحس بالخوف اللي أنا حسيته.
بحبك يا عمو آدم.
مريم عمر الشاذلي.”
آدم كان واقف بيسمع، ودموعه بتنزل من غير ما يحاول يخبيها.
أخد الورقة وحضن مريم.
— إنتِ اللي أنقذتيني يا مريم.
البنت رفعت وشها باستغراب.
— أنا؟! إزاي؟!
آدم ابتسم.
— علشان إنتِ فكرتيني إن الإنسان مش بقيمة فلوسه… الإنسان بقيمة اللي بيعمله لما يشوف حد محتاجه.
عمر قرب منهم بكرسيه.
ومد إيده لأخوه.
— أنا فخور بيك يا آدم.
آدم مسك إيده.
— وأنا كنت مستني أسمع منك الكلمة دي من زمان.
بعد سنة كاملة…
كان آدم واقف في نفس السوبر ماركت اللي قابل فيه مريم أول مرة.
لكن المرة دي، ما كانش جاي يشتري حاجة لنفسه.
كان جاي يفتتح مبادرة جديدة بالتعاون مع جمعيات مرخصة ومتخصصين في حماية الطفل.
مبادرة لتوفير احتياجات الأطفال الأساسية للأسر المحتاجة، ومساعدتهم يوصلوا لخدمات الرعاية المناسبة.
وعلى باب السوبر ماركت، اتحطت لافتة صغيرة:
“مبادرة مريم — لأن مفيش طفل المفروض يطلب اللبن وهو خايف.”
مريم كانت واقفة جنبه، لابسة فستان شتوي جميل، وماسكة إيد أبوها عمر.
آدم بص لها وقال:
— فاكرة المكان ده يا مريم؟
البنت ابتسمت.
— طبعًا… ده المكان اللي اشتريتلي منه اللبن.
آدم سألها:
— كنتِ خايفة يومها؟
مريم هزت راسها.
— أوي.
— ودلوقتي؟
مريم بصت حواليها.
شافت الأطفال اللي جايين مع أهاليهم يستلموا المساعدات من غير إحراج.
وشافت المتطوعين بيبتسموا ليهم.
وبعدين قالت:
— دلوقتي مبسوطة… علشان محدش هيزعق لطفل زي ما زعقولي.
آدم ابتسم.
وفي اللحظة دي، قرب منهم نفس الكاشير اللي كان واقف يومها.
كان وشه مليان خجل.
بص لمريم وقال:
— أنا عايز أعتذرلك يا بنتي.
مريم بصتله.
— ليه يا عمو؟
— علشان يوم ما جيتي تطلبي اللبن، أنا ما سمعتكيش كويس… وكنت قاسي معاكي.
مريم سكتت لحظة.
وبعدين قالت ببراءة:
— خلاص يا عمو، أنا مسامحاك… بس لو جه طفل تاني جعان، اسمعه الأول.
الكاشير عينيه دمعت.
— أوعدك.
آدم بص لمريم، وحس إن البنت الصغيرة دي علمته درس عمره ما كان هيتعلمه في أكبر الجامعات.
وفي آخر اليوم، رجع آدم بيته.
دخل مكتبه، وفتح الدرج القديم.
طلع منه نص القلب الفضي اللي كان محتفظ بيه من عشر سنين.
فضل يبصله شوية.
وبعدين حطه في علبة صغيرة، وكتب على ورقة:
“سلمى…
الحب الحقيقي مش معناه إننا نرجع الزمن، ولا إننا نمسح الوجع اللي فات.
الحب الحقيقي إننا نحترم بعض، ونسيب لكل واحد فرصة يبدأ من جديد.
أنا سعيد إنك رجعتي لحياتك، وإنك بقيتي قوية زي ما كنتِ دايمًا.
ولو ربنا كتب لنا طريق واحد في المستقبل، هنمشيه وإحنا مطمنين.
آدم.”
قفل العلبة.
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
كانت سلمى.
رد بابتسامة.
— أيوه يا دكتورة.
سلمى ضحكت.
— مريم مصممة إنك تيجي تتعشى معانا بكرة.
آدم ابتسم.
— ومريم بس؟
سلمى سكتت لحظة.
وبعدين قالت بصوت هادي:
— وأنا كمان مستنياك.
آدم بص لنص القلب الفضي.
وحس إن الحياة، رغم كل وجعها، ممكن تدي الإنسان فرصة تانية.
مش علشان ينسى الماضي…
لكن علشان يبدأ مستقبل مختلف.
وفي ليلة هادية، بعد ما كل الأطفال ناموا، كان عمر قاعد جنب شباك بيته الجديد.
مريم خرجت من أوضتها، وقربت منه.
— بابا؟
— نعم يا قلب بابا؟
— هو إنت زعلان علشان مش بتعرف تمشي كويس؟
عمر ابتسم بحزن.
— ساعات يا حبيبتي.
مريم مسكت إيده الصغيرة بين إيديها.
— متزعلش… أنا همشي جنبك على مهلي.
عمر بص لبنته، ودموعه نزلت.
— وإنتِ مش زعلانة إني غبت عنك كل السنين دي؟
مريم فكرت شوية.
وبعدين قالت:
— كنت زعلانة وأنا مش عارفة إنت فين… بس دلوقتي إنت هنا.
عمر حضنها.
— ربنا يخليكي ليا يا مريم.
البنت حطت راسها على صدره.
— ويخليك ليا يا بابا.
وفي اللحظة دي، عمر افتكر كل اللي ضاع منه.
السنين.
صحته.
شغله.
بيته.
لكن لما بص لبنته وهي نايمة في حضنه، عرف إن لسه عنده سبب يبدأ من جديد.
أما آدم، فكان أخيرًا فهم إن الثروة الحقيقية مش القصور ولا العربيات ولا الملايين.
الثروة الحقيقية كانت في حضن أخ رجع بعد غياب، وطفلة لقت أبوها، وأم قدرت تقف على رجليها تاني.
وكل ده بدأ…
بطفلة صغيرة، حافية، واقفة قدام كاشير سوبر ماركت، وبتطلب علبة لبن لأخوها.
تمت بحمد الله.




