
حماتي ارتبكت جداً، وشها جاب ألوان وقالت بلعثمة:
— أنا.. أنا كنت عايزة أجمعهم تحت ونغديهم سوا! هي اللي نيتها شينة ونسيت إن البيت ده بيتي!
هنا اتدخل واحد من كبار المنطقة، راجل حاج كبير ومحترم، وقرب وقال بصوت حاسم:
— لا يا أم حاتم! لحد هنا وغلط.. الشقة شقة ابنك ومراته، ودخول الشقة بالمفتاح الاحتياطي وست البيت جوه الحمام وأخذ الأكل بالطريقة دي مش أصول ولا دين! والجدع حاتم ما غلطش لما أمن شقته وحرمة بيته.. أنتِ اللي كبرتِ الموضوع ونزلتِ الشارع تظلمي ابنك وتفضحي بيتك!
الناس في الشارع بدأت تتكلم وتلوم حماتي، وجاراتنا بقوا يقولوا: “عيب يا أم حاتم.. دي البنت سترت عليكي وما فضحتكيش قدام أهلها، تقومِ أنتِ تعملي فيها كده؟!”.
حماتي لما لقيت الكفة اتقلبت عليها، والشارع اللي كانت نازلة تلمّه علينا بقى بيلومها هي ويطلعها غلطانة وخرابة بيوت، بصتلي بصة مليانة غل وشر مش طبيعي، وقالت بصوت واطي ومسموع لي أنا وحاتم بس وهي بتمشي:
— ماشية يا حاتم.. ماشي يا ابن بطني.. وحق اللحظة دي واللي عملتوه فيا قدام المنطقة كلها، هتدفعوا تمنه غالي أوي.. والشقة دي مش هتهنوا بيها يوم واحد بعد النهاردة!
دخلت حماتي الشقة تحت ورزعت الباب وراها بقوة هزت العمارة.
طلعنا أنا وحاتم فوق والشقة كانت هادية، بس الهدوء ده كان يسبق العاصفة.. حاتم قعد على الكنبة وقال وهو حاطط راسه بين إيديه:
— أمي مش هتعدي اللحظة دي على خير يا فلانة.. أنا عارفها لما تنكسر قدام الناس بتعمل إيه.. هي هتستخدم آخر ورقة عندها عشان تهد البيت ده خالص!
وللأسف، كلام حاتم طلع صح.. لأن بعد السبت ده بيومين بس، وفي نص الليل الساعة 3 الصبح، صحينا على الريحة والمرعب اللي خلانا نقطع النفس!
يا ترى إيه المصيبة السودة اللي حماتي عملتها في نص الليل عشان تطردنا من الشقة للأبد وتدمر حياتنا؟
صحيت من النوم على كتمة في صدري وريحة غريبة مغرّقة ، ريحة شياط ودخان حاد بيخنق الرئة!
قمت مفزوعة من السرير، أصحّي في حاتم وأنا بصرح بصوت واطي ومكتوم من كثرة الدخان:
— حاتم! قوم يا حاتم الحقنا! الشقة بتولع!
حاتم نط من السرير وهو مش شايف قدامه من كثافة الدخان الأسود اللي كان داخل من تحت باب الشقة ومن بلكونة الصالة. جرى على باب الشقة يفتحه عشان نشوف مصدر النار، لكن أول ما حط إيده على الكالون، صرخ وشال إيده بسرعة:
— الكالون مولع نار يا فلانة! في حاجة بتتحرق برة على السلم قدام الباب بالظبط!
أنا اتجمدت مكاني من الرعب! حاتم جرى على المطبخ جاب جرادل مية وبدأ يرمي من تحت الباب، ورشق المية على الحديد لحد ما السخونة خفت شوية، وقدر يفتح الباب بصعوبة..
وهناك كانت المفاجأة المرعبة!
أكوام من القش والكرتون والهدوم القديمة كانت محطوطة وولعة قدام باب شقتنا بالظبط، والنار كانت ماسكة في خشب الباب الخارجي وبتلتهم الكالون والترباس الجديد! حاتم وبمساعدة الجيران اللي صحوا على ريحة الدخان والدوشة، قدروا يطوفوا النار قبل ما تأكل الشقة بالكامل وتدخل علينا جوة.
وبينما الجيران واقفين في حالة ذهول وذهول، والمية مالية السلم، حاتم بص على الأرض تحت بقايا القش المحروق.. لقاه محطوط بطريقة متخططة، وجنبه جاز صريح!
واحدة من الجارات بصت لحاتم وقالت بصوت واطي جداً:
— يا حاتم يا بني.. أنا صحيت من ساعة أتسحر/أشرب مية، وشفت سلفتك وحماتك طالعين نازلين على السلم بسرعة ومعاهم أكياس سودا.. أنا ما رضيتش أتكلم، بس حرام السكوت في الموت! دول كانوا عايزين يحرقوا عليكم الشقة وأنتوا نايمين!
الكلمة نزل على حاتم زي الصاعقة! بص لأمه اللي كانت واقفة تحت في الصالة بتمثل المظلومية ومسكة سبحتها وبتتفرج من بعيد وكأنها ما تعرفش حاجة.
حاتم في اللحظة دي، طفح بيه الكيل، والتطاول وحرق القلوب وصل لخط أحمر ما ينفعش السكوت عنه. نزل على السلم بخطوات زي الرعد، وأنا نزلت وراه والمنطقة كلها متجمعة على السلم.
وقف قدام أمه وبص في عينها بنبرة ما سمعتهاش منه قبل كده.. نبرة راجل أدرك إن المسامحة مع اللي عايز يؤذيه في روحه ومراته بقت جريمة!
وقالها بصوت جاف وحاسم هز أركان البيت:
— لحد هنا وخلاص يا أمي.. لحد الروح والموت والمفارقة! أنتِ ما بقاش يهمك حبات عينك ولا ابن بطنك.. أنتِ كان هيموتلك ابن ومراته في النار عشان كبرياءك وإنتقامك الفارغ!
حماتي حاولت تتكلم وتصرخ:
— أنت بتتهم أمك يا عاق؟! بقى أنا ولعت فيك؟!
حاتم قاطعها وهو بيطلع تليفونه من جيبه بثبات قاتل:
— التلفون ده دلوقتي هيطلب النجدة، والشرطة والمطافئ والنيابة ييجوا يرفعوا البصمات ويعاينوا الجاز والشهود اللي شافوكم وطالعين نازلين بالليل! ويا أنا يا أنتِ يا أمي بالقانون والشرع!
سكتت حماتي تماماً! وسلفتي اترمت على ركبتها وهي بتعيط وبتصرخ وبتترجاه:
— وحياة ولادك يا حاتم بلاش شرطة! هي اللي أجبرتني ونزلتني معاها نلم القش والجاز! والله العظيم هي اللي قالتلي هنخوفهم بس عشان يطفشوا من الشقة!
السر اتكشف قدام المنطقة كلها، والحقيقة ظهرت من غير زيف ولا تجميل! حماتي انكسرت انكسارة عمرها، ومش قدام الشارع بس، لا.. قدام أولادها وبيتها وأصول الدين.
حاتم ما بلغش الشرطة إكراماً لكبر سنها وعشان ما يسجنهاش، لكنه أخد قرار حاسم وغير قابل للنقاش.
في نفس اليوم، جاب عربية نقل كبيرة، وحزمنا أمتعتنا وشنطنا كلها من الشقة، ونزلنا سيبنالهم بيت العيلة بكل ما فيه. حاتم أجر شقة بعيدة عنهم تماماً، في مكان هادي، وبدأنا فيه حياتنا من جديد بكرامة وأمان، ومن غير ما حد يمد إيده على أكلنا، أو يدخل شقتنا بمفتاح احتياطي، أو يهدد حياتنا في نص الليل.
وحماتي فضلت في بيتها الكئيب، الشقة فوقيها فاضية ومظلمة، والمنطقة كلها عارفة حقيقتها، وندمانة على اليوم اللي ضيعت فيه ابنها وراحتها عشان شوية غيرة وصواني أكل!




