Uncategorized

حكايات اسما السيد 2

الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة. سقف الأوضة بدا يلف بيا، والحيطان كأنها بتطبق على صدري.

— أنت بتقول إيه يا عمر؟ يعني إيه اسمي مش مريم؟!

مسكت في دراعه بغريزة حد بيغرق، لكن عمر كان واقف مشدوه، عينيه مبلمة في الورقة الرسمية اللي سحبها من المظروف الأسود. الورقة كانت شهادة ميلاد قديمة عليها ختم النسر، متطلعة من مصلحة الأحوال المدنية من أكتر من خمسة وعشرين سنة.

حسام ضحك بصوت مكتوم فيه تشفي مرعب، وقعد على كرسي جنب الباب، حط رجل على رجل وقال بنبرة هادية تسمّ العروق:

— قولي لها يا عريس… قولي لها إن مريم الحقيقية، بنت عمك اللي اتكتبت باسم أبوه وأمك زمان، ماتت وهي عندها سنتين في المستشفى. قولي لها إن البنت اللي واقفة قدامك دي، اللي عاشت طول عمرها فاكرة إنها مريم، ما هي إلا بنت ملجأ جابها أبوكي وأبو عمر بعد ما بنتهم ماتت عشان يتستر على مصيبة الأوراق والورث اللي كان مكتوب باسم البنت الأولى!

رجعت لورا خطوات لحد ما ظهري خبط في الحيطة. دموعي نزلت من غير صوت. بصيت لنادية اللي كانت باصة للأرض ودموعها بتنزل بسكوت، وبعدين بصيت لعمر.

— عمر… قول إنه بيكدب. قولي إن ده كابوس وهأصحى منه دلوقتي… قولي إني مريم!

عمر قرب مني بخطوات سريعة، مسك وشي بين إيديه الاثنين، دموعه كانت بتنزل على إيده وكتفه بيرتعش:

— أنتِ مريم يا قلبي… أنتِ مريم اللي حبتها، ومريم اللي اخترتها بنفسي. والله العظيم ما فارق معايا أي ورق ولا أي اسم! أنا عرفت الموضوع ده من أسبوع بس لما حسام بدأ يبتزني بالورق ده ويقولي إنه هيفضح العيلة يوم الفرح وهيحرمك من حظك في الورث لو ما تنازلتلوش عن نصيبي في الشركة!

صرخت فيه وأنا بزق إيده عن وشي:

— أنت خبيت عليا! اتفقنا مفيش أسرار! أربع سنين وأنا مخدوعة؟ أربع سنين وأنا فاكرة إني بتجوز الراجل اللي ما بيخبيش عليا قشة… تطلع مخبي عليا هويتي؟ حياتي كلها؟ أهلي اللي رابوني ودفنوا تحت التراب طلعوا مش أهلي؟!

حسام وقف فجأة، وضحكته اختفت، وتحولت ملامحه لجدية قاسية:

— شوفت بقى يا عمر؟ الصراحة اللي بنيت عليها حياتكم طلعت فاشوش. ورقة واحدة هدّت المعبد على اللي فيه. ودلوقتي… الأوراق اللي في إيد نادية دي، مع شهادة الميلاد دي، هيروحوا للنيابة والشهر العقاري الصبح. يا إما توقع لي على تنازل عن نصيبك في أراضي أسيوط والشركة، يا إما العروسة الحلوة دي هتبدأ رحلة البحث عن اسمها الحقيقي في السجلات، وهتخسر كل قرش سابهولها الراجل اللي كانت فاكراه أباها!

عمر لف لحسام وعينيه مليانة غضب، هجم عليه ومسكه من زقزوق قميصه وضغطه على الحيطة:

— قسمًا بالله يا حسام لو قربت لها أو نطقت بكلمة ثانية لأكون دافنك مكانك هنا! الفلوس والشركات تغور في داهية، بس مريم مش هتتمس!

في لحظة التوتر دي، وصوت الفوضى المكتومة في الأوضة، نادية سحبت شنطتها ببطء من على السرير، وطلعت منها ملف أحمر صغير. بصتلي وقالت بصوت ثابت فجأة:

— حسام بيكدب عليكي في نص الحقيقة يا مريم… وبيستغل جهلك باللي حصل زمان عشان ياخد أملاككم كلكم.

كلنا اتسمرنا في مكاننا. عمر ساب قميص حسام وبص لنادية، وحسام وشه اتغير وبدأ يقلق.

نادية فتحت الملف الأحمر وبصتلي:

— البنت اللي ماتت زمان ماكانتش بنت عمك… البنت اللي ماتت كانت أخت حسام الصغيرة! وأبو حسام هو اللي زور الأوراق زمان بمساعدة المحامي عشان يرمي التهمة على أبوكي وأبو عمر ويحبسهم… إنتِ مريم الحقيقية يا بنت عمك، والأوراق دي مش شهادة ميلادك إنتِ… دي شهادة ميلاد المزورة اللي حسام طبعها الأسبوع اللي فات بس عشان يدمركم!

حسام حط إيده في جيبه بسرعة وطلع حاجة لمعت تحت إضاءة الأوضة… سحب مطواة صغيرة من جيبه، ولمعة السلاح قطعت الهدوء المرعب اللي حل على الأوضة. عيونه كانت بتطق شرار وهو بيصرخ في نادية:

— اسكتي يا نادية! قسمًا بالله لو نطقتي بكلمة ثانية لأكون مخلص عليكي هنا قبل ما حد يحس بينا!

عمر ما استناش ثانية. اتتحرك بجسمه كله وغطى عليا وعلى نادية، واندفع ناحية حسام بضربة قوية في إيده اللي ماسكة السلاح. المطواة طارت في الهواء ووقعت على السجادة بصوت رنة مكتومة.

بدأت المعركة بين عمر وحسام في مساحة الأوضة الضيقة. عمر كان بيضرب بغضب أربع سنين من الابتزاز والخوف عليا، وحسام كان بيحاول بكل قوته يسترد السلاح أو يوصل للملف الأحمر اللي في إيد نادية. الكراسي اتقلبت، وصوت تكسير الترابيزة الصغيرة هز الأوضة.

صرخت بصوت مكتوم وأنا بحاول أجمع شتات نفسي. عينيا كانت بتنتقل بين الورق المرمي على الأرض، وبين الراجل اللي اتجوزته امبارح وهو بيخاطر بحياته عشان يحميني. في لحظة، عمر قدر يثبت حسام على الأرض ويقيد حركته، وهو بنهج وصدره بيطلع وينزل بقوة. بص لنادية وزعق بصوت بحوح من المجهود:

— طلعي التليفون يا نادية واطلبي أمن الفندق والشرطة فورًا! اللعبة دي لازم تنتهي هنا!

لكن قبل ما نادية تمد إيدها للموبايل، الباب اتفتح تاني برفق… والمرة دي ماكانش حد اقتحم الأوضة، المرة دي دخل رجل كبير في السن، يرتدي بدلة كاملة برغم الساعات الأولى من الصباح، ومعه كارت ممغنط تاني في إيده.

أول ما حسام شاف الرجل ده، جسمه اتشنج على الأرض وصرخ بصوت مليان خوف:

— عمي توفيق؟! أنت… أنت إيه اللي جابك هنا؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى