
الرجل الكبير كان “توفيق”، محامي العيلة القديم واللي كان ممسك بكل خيوط العيلتين من تلاتين سنة. رجل ملامحه حادة وعينيه ما ترحمش. دخل الأوضة بكل برود، وقفل الباب وراه بالمفتاح الداخلي. بص للدمار اللي في الأوضة، وبعدين بص لعمر وحسام ونادية، وأخيرًا تثبتت عينيه عليا أنا.
توفيق قال بنبرة هادية ومستفزة:
— شاطر يا عمر… قدرت تسيطر على الهبيل ده. بس للأسف، كلكم فاهمين القصة غلط. لا حسام معاه الحقيقة كاملة، ولا نادية معاها السر كله.
أنا وقفت بثبات رغماً عن الرعب اللي كان بياكل جسمي، وقلت بصوت حاد:
— أنت مين وجاي تعمل إيه؟ والورق ده يخص مين بالظبط؟
توفيق سحب كرسي من المقلوبين، وعدله وقعد عليه بالراحة، وطلع من جيبه الجاكيت الداخلي مظروف أصفر ثالث، مكنش حد يعرف عنه حاجة. وقال وهو بيعدل نظارته:
— الأوراق اللي معاكم دي كلها… سواء شهادة الميلاد المزورة، أو العقود القديمة… كانت مجرد طُعم. أبوكم الله يرحمه وأبو عمر ما كانوش مجني عليهم ولا كانوا ضحايا… هما اللي اتفقوا معايا من خمسة وعشرين سنة نعمل اللعبة دي كلها، عشان نحمي السر الحقيقي اللي لو انكشف دلوقتي… مش بس هيهد جوازكم يا مريم… ده هيدخل عمر ونادية السجن بقية حياتهم!
عمر قفل قبضة إيده على قميص حسام وبص للمحامي بشك ورعب:
— سر إيه يا توفيق؟ نطّق!
المحامي توفيق ابتسم ابتسامة مريبة وفتّح المظروف الأصفر، وطلع منه وثيقة زواج رسمية قديمة جدًا، عليها أختام باهتة، ورماها على السرير قدامي وقال:
— اقري دي يا مريم… وتعرفي عمر اتجوزك ليه امبارح، وتعرفي نادية كانت مستنياه هنا ليه بالساعة والدقيقة!
مدّيت إيدي للسرير وأنا حاسة إن صوابعي متخشبين. سحبت وثيقة الجواز القديمة، عينيا كانت بتتحرك على السطور بالعافية والكلمات بتتداخل قدامي. الوثيقة كانت عقد جواز رسمي مكتوب بتاريخ قديم… بين “نادية” وبين “والدي الله يرحمه”! شهقت بصوت واطي وبصيت لنادية اللي غطت وشها بإيديها الاثنين وبدأت تبكي بانهيار كامل. بصيت للمحامي توفيق وقلت بذهول:
— نادية… كانت مرادفة لأبويا؟ جواز رسمي؟!
توفيق هز رأسه بنفي بطيء وقال بنبرة حاسمة:
— مش بس مراته يا مريم… نادية تبقى أمك الحقيقية!
الكلمة نزلت عليا كأنها صخرة اتحدفت من أطول قمة. الدنيا دارت بيا، وبصيت لعمر اللي كان واقف على الأرض مشدوه، وعينيه بتتطلع فيا وفي نادية بنفس الصدمة.
توفيق كمل كلامه وهو بيشاور على الأوراق:
— أمك اللي ربتك وما ماتت من خمس سنين، ما كانتش بتخلف. وأبوكي اتفق مع نادية زمان لما كانت ممرضة في المستشفى على الجواز في السر عشان تجيب له الوريث. ولما خلفتك إنتِ، أمك اللي ربتك عرفت بالموضوع، وعشان يمنعوا الفضيحة والطلاق، اتفق أبوكي وأبو عمر والمحامي — اللي هو أنا — إننا نطلع شهادة ميلاد باسم أمك الثانية ونلغي العقد ده ونخفيه للأبد.
قرب توفيق خطوة وبص لعمر وقال:
— نادية ما كانش عندها أي إثبات على الورث بعد وفاة أبوكي، غير العقد ده والأوراق دي اللي كانت خفياها في أوضة الفندق دي. وحسام لما عرف المعلومة دي من فترة، حاول يستغلها عشان يضغط على عمر. كان عارف إن نادية عاوزة تدي الورق لعمر عشان يحميه ويأمن حقك الشرعي في ورث أبوكي، فاستغل الفرصة وحط الكارت في جيب بدلة عمر وساب لك الورقة بخط ست… عشان إنتِ تصحي وتيجي هنا وتشوف العقد بنفسك، وتكتشفي إن عمر ونادية كانوا متفقين يخبوا عليكي سر أمك الحقيقية مقابل إن نادية تسب له أراضي أسيوط!
عمر اتنفّض من مكانه وجري عليا، مسك إيديا الاثنين بكل قوته وعينيه مليانة دموع ورجاء:
— مريم… والله العظيم ما كنت اعرف إن نادية أمك! والله العظيم! أنا كل اللي عرفته من أسبوع إن نادية عندها أوراق تخص ورث أبوكي القديم وأراضي أسيوط وإن حسام بيهدد ببيعتها، فنزلت امبارح بالليل عشان أشتري منها الورق ده وأحميكي من ابتزاز حسام! أنا اتجوزتك عشان بحبك، اتجوزتك عشان إنتِ كل دنيتي، وما كانش ليّ أي مصلحة غير إني أبعد عنك أي أذى!
نادية رفعت راسها من بين إيديها وجت جراية، وقعت على ركبها تحت رجلي وهي بتبكي بصوت مسموع:
— سامحيني يا مريم… سامحيني يا بنتي! أنا تنازلت عنك زمان عشان تعيشي في عز وأمان مع أبوكي ومراته، ولما كبرتي وشوفتك بتتجوزي عمر، ما قدرتش أمسك نفسي وعوزت أطمن عليكِ وأأمن مستقبلك قبل ما أموت. عمر مالوش أي ذنب، عمر حماكي وجالي عشان ينقذك من حسام اللي كان عاوز يزور توكيل باسمي ويبيع كل أملككم!
بصيت لحسام اللي كان ممدد على الأرض وبيشتم بصوت مكتوم، وبصيت للمحامي توفيق اللي كان مستني يشوف رد فعلي. السحابة اللي كانت مغطية عقلي انقشعت. الخيانة اللي كنت خايفة منها في البداية ماكانتش خيانة حب ولا علاقة سرية… كانت تضحية وسر عائلي مدفون من سنين، وعمر كان بيحاول يشيل الحمل كله لوحده عشان يمي ابتسامتي في ليلة فرحنا.
مسكت إيد عمر وضغطت عليها بقوة، ودموعي بتنزل بس الابتسامة بدأت ترسم طريقها على وشي وسط الدموع. بصيت لنادية ونزلت لمستواها، رفعتها من على الأرض وقلت لها بصوت هادي وثابت:
— السر اللي يدمر عيلة… الصراحة هي الوحيدة اللي تبنيه من جديد.
بصيت لتوفيق وحسام وقلت بنبرة حازمة:
— والأوراق دي كلها هتروح للنيابة والشهر العقاري الصبح… بس بالحق، وباسمي أنا، وبوجود جوزي معايا.
عمر ضمني ليه بقوة في وسط الأوضة 412، حسيت بدفى كفه ونبض قلبه السريع اللي كان بيردد نفس الأمان اللي حسيت بيه من أول يوم عرفته فيه. حسام اتسحب بره الأوضة وهو بيجر خيبته، وتوفيق لم أوراقه وخرج بسكوت، بينما الشمس بدأت تشرق وتدخل من شباك الأوضة لتعلن عن بداية يوم جديد… بداية مالهاش أي أسرار.




