Uncategorized

حكايات زهره الربيع 2

لم تكن الخروج من باب الشقة مجرد خطوة في ممر العمارة، بل كانت قطعاً لسرّة أوهام عاشت في عقلي لثلاث سنوات كاملة. صوت الباب وهو يُغلق بضربة جافة، أحدث صداً في الممر المظلم، كأنه إعلان رسمي لموت “منة” القديمة؛ تلك الزوجة المخدوعة التي كانت تلتمس لأعذار شريف ألف باب، وتظن أن نظرات الاهتمام في عينيه هي محبة مجردة، بينما كانت في الحقيقة قياساً دقيقاً لمدى نجاح خطته .

 

نزلت درجات السلم بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أرسخ من أي وقت مضى. في الأسفل، كان الشارع يعج بالحركة؛ المارة يهرولون نحو بيوتهم قبل أن يهبط الليل، بائع الخضار عند الزاوية ينادي بصوته المبحوح، وأضواء السيارات تتشابك في الزحام. كل شيء في العالم كان يسير بانتظام عجيب، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن هناك رجلاً لم يُسحب منذ لحظات قليل في سيارة الشرطة بتهمة الشروع في قتل زوجته.

ركبت سيارة أوجر متجهة إلى شقة والدي القديمة؛ ذلك البيت الذي تركته يوم زفافي وأنا أظن أنني أُنقل من نعيماً إلى نعيم أكبر.

طوال الطريق، كان هاتفي لا يتوقف عن الاهتزاز. لم تكن رسائل من شريف بالطبع؛ فحواسه الآن مشغولة ببصمات الأصابع والتحقيق الأولي في القسم، بل كانت الاتصالات تتوالى من أرقام أقاربه، ومن أصدقائه في الشركة الذين وصلهم خبر القبض عليه كالشرارة في القش. تجاهلت الجميع. أغلقت إشعارات المكالمات، وفتحت القائمة واستخرجت رقماً واحداً فقط: المحامي الأستاذ فريد، صديق والدي القديم وأحد دهاقنة القضايا الجنائية والأحوال الشخصية.

“أهلاً يا منة يا بنتي.. خير؟ صوتك مش عاجبني.” جاءني صوته الرصين ليمنحني شعوراً بالثبات كنت بأشد الحاجة إليه.

“عمي فريد.. شريف في القسم حالياً، والنيابة هتحقق معاه الصبح بتهمة محاولة قتلي العمد.”

ساد الصمت للظة عبر الخط، قبل أن يتنفس المحامي الصعداء ويقول بلهجة حازمة: “احكي لي كل كلمة من الألف للياء.. ومتسبيش تفصيلة واحدة، حتى لو كانت مجرد نظرة.”

قصصت عليه كل شيء؛ قصة السهر المتواصل، الهاتف الذي لا يفارق يده، السحب المالي، اعترافه الهستيري في المكالمة المصورة والمجلة التي وثقتها بالكامل، وشهادة حمايا الأسطى مصطفى والتقرير المبدئي من فني التوكيل.

“ممتاز..” قال الأستاذ فريد بنبرة يسودها الهدوء الاحترافي. “أنتِ محصنة تماماً يا منة. حماكي وتقرير التوكيل هما حجر الزاوية في القضية دي. التقرير بيأكد القطع العمدي، وشكادت حماكي بتنسف أي ادعاء منه بإن القطع حصل بالصدفة أو بفعل عامل خارجي على الطريق. أما اعترافه في التليفون فهو القاضية.. بس أهم حاجة دلوقتي هي الست اللي كانت في الخلفية. الست دي هي المحرك، والنيابة لازم تطلب تفريغ مكالماته وتتبع الحسابات البنكية.”

“مش فارق معايا الست ولا الفلوس يا عمي فريد..” زفرت بمرارة، “أنا اللي شايل همهم هما الاثنين.. عم مصطفى وطنط هدى. هما ملهمش ذنب في أي حاجة، دول بيحبوني أكتر من ابنهم.”

“القانون مبيعرفش العواطف يا بنتي، بس أهله لازم يعرفوا الحقيقة منك أنتِ، وبأرق طريقة ممكنة، قبل ما توصلهم مغلوطة من بره وتجيبلهم سكتة قلبية.”

أغلقت الهاتف بعد أن اتفقنا على اللقاء صباح الغد أمام باب النيابة لمتابعة بدء التحقيقات الرسمية.

وصلت شقة والدي الراحل. فتحت الباب، واستقبلتني رائحة الخشب القديم والذكريات. كانت الشقة مغبرة قليلاً، لكنها كانت آمنة. لم أمتلك الطاقة لتنظيف أي شيء؛ ألقيت بحقيبتي على الأريكة، وجلست في العتمة أسترجع مشهد الفطار صبيحة هذا اليوم.

كيف يمكن لإنسان أن يبتسم في وجهك، يمسح على شعرك برقة، يخبرك بضرورة الانتباه لسلامتك ولأمان الفرامل والكاوتشوك، بينما هو في ذات اللحظة يعلم تماماً أن تلك الفرامل لن تستجيب عند أول منحنى؟ أي نوع من البشر كان شريف؟ هل كان يمثل عليّ الحب طوال ثلاث سنوات، أم أن الطمع والشهوة كانا كفيلين بمسح كل لحظة دافئة جمعتنا وتحويله إلى مسخ بدم بارد؟

لم أستطع النوم. قضيت الليل بأكمله أرقب السقف، وكلما أغمضت عيني، سمعت صوت صراخه الهستيري عبر الهاتف: “الفرامل مقطوعة يا منة! العربية مش هتقف! اتصلي ببابا!”

لم يكن خائفاً عليّ عندما ظن أنني أركب السيارة؛ كان ينتظر نعيي بكل هدوء ليقبض الثمن. لكنه انهار عندما تحولت أداة القتل نحو والديه. إنه النفاق بأبشع صوره، الخسة التي تتستر رداء البر بالوالدين فقط عندما تطالهم نار شره.

مع أشرقت شمس اليوم التالي، كنت أقف أمام مبنى النيابة العامة. الجو كان خانقاً، ودرجة الحرارة مرتفعة، والوجوه حول تكسوها الحيرة والترقب. وصل الأستاذ فريد يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة، وبجواره اثنان من مساعديه.

“جاهزة يا منة؟” سألني بابتسامة مشجعة.

“جاهزة يا عمي.”

دخلنا الممر الطويل المليء بالحراس والمتهمين والمحامين. عند باب مكتب وكيل النيابة، رأيت شريف.

كان يجلس على مقعد خشبي متهالك، مكبل اليدين، يرتدي نفس البيجامة الرمادية التي لم يتسنّ له تغييرها، لكنها كانت الآن متسخة ومجعدة. شعره الثائر، عيناه المنطفئتان الغائرتان في وجهه الأصف المائل للخضرة، وحوله حارسان مدججان. لم يعد ذلك المهندس الأنيق وسيم المظهر الذي تحسدني عليه صديقاتي. كان يبدو كحطام رجل، كشيء مثير للشفقة والاشمئزاز في آن واحد.

عندما رآني تقترب، قفز من مقعده بصورة فجائية، وجذبه الحرس بقوة إلى الخلف.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى