Uncategorized

حكايات زهره الربيع 2

“منة! منة سامحيني!” صرخ بصوت شحيح، والدموع تنفجر من عينيه المجهدتين. “والله كنت غبي! والله هي اللي ضحكت عليا وسوفت لي عقلي! منة أرجوكِ اسحبي البلاغ، متضيعيش مستقبلي! أبويا حيموت لو عرف! بحق كل حاجة حلوة بيننا!”

وقفت أمامه على بعد خطوات قليلة. لم تتغير ملامح وجهي، ولم ترمش لي عين. نظرت إليه كما ينظر المرء إلى حشرة غريبة ضلت طريقها على الطاولة.

“أنت اللي ضيعت نفسك يا شريف..” قلتها بنبرة خالية تماماً من النبرات العاطفية. “وبحسب المادة التي حاولت قتلي بيها، الشيء الوحيد الحلو اللي كان بيننا أنت قطعت خرطومه بإيدك امبارح.”

“يا فندم اتفضلي ادخلي، وكيل النيابة مستني حضرتك.” ناداني العسكري الواقف على الباب.

دخلت المكتب الشاسع ذو السقف العالي. كان وكيل النيابة رجلاً شاباً بملامح حادة وعينين ثاقبتين. رحب بي وبالمحامي، وتبسط معنا في الحديث لكسر حدة الموقف، ثم بدأ في تدوين أقوالي بشكل رسمي.

استغرق التحقيق أكثر من ساعتين. أعدت سرد التفاصيل، وقدمت التسجيل الصوتي ومقاطع الرسائل النصية، والتقرير الفني الأولي الصادر من مركز الخدمة التابع للتوكيل، والذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قطع خرطوم زيتها قد تم بآلة حادة وبفعل فاعل متعمد وليس نتيجة تأكل طبيعي.

في منتصف الجلسة، طلق المحامي فريد قنبلة أخرى مفاجئة، حيث قدم مستنداً جديداً حصل عليه صباحاً من هيئة التأمين:

“سيادة وكيل النيابة، بنقدم لعدالتكم وثيقة تأمين على حياة المجني عليها، قيمتها خمسة ملايين جنيه، تم استخراجها قبل شهرين فقط لصالح المتهم، وبتوقيع مزور ينُسِب للمجني عليها.”

اتسعت عينا وكيل النيابة، ونظر إليّ متسائلاً: “هل عندك علم بالوثيقة دي يا مدام منة؟ هل وقعتِ على حاجة زي دي؟”

“أبداً يا فندم..” أجبته بثقة وحزن. “أنا أول مرة أسمع عن الوثيقة دي دلوقتي.”

هز وكيل النيابة رأسه ببطء، ودون الملاحظات في المحضر. كان الحبل يلتف حول عنق شريف أكثر فأكثر، وكل منفذ للهروب كان يغلق تماماً في وجهه.

بعد انتهاء تحقيقات النيابة الصباحية، وصدر القرار بحبس شريف أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع إرسال الهاتف للتفرغ الاستخباراتي، وتكليف المباحث بضبط وإحضار السيدة الأخرى المذكورة في المكالمات لمواجهتها بالتهم المتصلة بالتحريض والتزوير.

خرجت من مبنى النيابة وأنا أطأ الأرض بخفة غير متوقعة، وكأن أحمال الجبال قد أزيحت عن كاهلي. لكن الفرحة لم تكن كاملة، كان هناك دين أخير يجب تسديده، مواجهة لا بد منها، وربما تكون أصعب من مواجهة القاتل نفسه.

حملت نفسي وتوجهت نحو موقف الميكروباصات السريعة، وركبت المتجه إلى محافظة الفيوم.

كانت الطريق الاستراتيجي ممتداً أمامي، والأشجار على الجانبين تمر سريعة. كنت أفكر في عم مصطفى وطنط هدى، اللذين يقضيان الآن ساعات هادئة في الفندق البسيط على البحيرة، لا يعلمان أن ابنهما الوحيد يقبع خلف قضبان التخشيبة، وأن الرحلة التي أهدينها لهما كانت في الحقيقة نجاة مفصلية لهما وكسراً لمؤامرة دموية.

وصلت إلى الفيوم بعد حوالي ساعتين. كانت أضواء المساء تبدأ في الانعكاس على مياه البحيرة الهادئة. سارت خطاي ببطء نحو الفندق، وطلبت من الاستقبال توجيهي إلى الغرفة.

عندما طرقت الباب، فتحه عم مصطفى بنفسه. كان يرتدي جلباباً أبيض خفيفاً، وفي يده نظارة القراءة، ووجهه يفيض بالبشر والسرور.

“منة!” صرخ بابتسامة دافئة. “يا مرحب يا بنتي! إيه المفاجأة الحلوة دي؟! طنطك هدى كانت لسه بتقول لي كلمها الموبايل مقفول ليه!”

خرجت طنط هدى من الداخل وهي تحتضنني بشوق: “يا حبيبتي يا منة! جيتي إزاي ولوحدك؟ وشريف فين؟ جه معاكِ؟”

نظرت إلى وجهيهما الصافيين، إلى هذين الزوجين اللذين قضيا عمرهما بالكامل في الكد العفيف، ووجدت حلقي يجف، والدموع التي حبستها طوال اليوم تبدأ في التجمع عند طرف عيني.

“في إيه يا منة؟” تساءل عم مصطفى، وتغيرت ملامح وجهه البشوش فوراً للجدية والترقب، ونزع نظارته. “أنتِ بتبكي ليه يا بنتي؟ شريف جرى له حاجة؟ العربية جرالها حاجة؟”

جلست على أريكة الغرفة الصغيرة، وأمسكت بيدي طنط هدى المرتجفتين، وأشرت لعم مصطفى بضرورة الجلوس بجواري.

“عمو مصطفى.. طنط هدى..” بدأت بصوت خفيض يقطر بالمرارة والآلام، “أنا جيت عشان في أمانة ولازم تتقال بكل صراحة.. وعشان أنتوا أغلى عندي من أي حاجة في الدنيا.”

“اتكلمي يا بنتي شغلتِ بالنا!” قالت طنط هدى بنبرة خائفة.

تنفس عميقاً، وأغمضت عيني لثوانٍ لتجميع شتات نفسي، ثم نظرت في عيني عم مصطفى المباشرتين وقُلت:

“العربية اللي حضرتك لقيت فراملها مقطوعة الصبح يا عم مصطفى… مكنتش مقطوعة بفعل الزمن ولا الصدفة.. شريف هو اللي قطعها بإيده عشان أنزل بيها وأموت في حادثة على الطريق…”

سقطت الكلمة كالقنبلة الشديدة الانفجار في الغرفة الصغيرة، وانقبضت ملامح الرجل العجوز بشكل مفاجئ، بينما شهقت طنط هدى ووضعت يدها على فمها بذهول مطلق.

لكن ما حدث بعد ذلك، والسر الحقيقي الذي كان يخفيه عم مصطفى عني وعن الجميع، هو ما جعل القصة تأخذ منحنى آخر كلياً، لم يخطر ببال شريف، ولا ببالي أنا شخصياً…

سقطت الكلمات كالصاعقة، لتهوي فوق الغرفة بصمتٍ مرعب. طنط هدى اتسعت عينان شاحبتان بالذهول، ويدها المرتجفة سقطت من فوق يدي لتمسك بقلبها وهي تعتصر ثوبها، غير قادرة على إخراج زفير واحد.

أمّا عم مصطفى، فلم يصرخ، ولم يبكِ، ولم يتفوه بكلمة استنكار واحدة.

كل ما فعله هو أنه أغمض عينيه ببطء شديد، وتنفس بعمق، وكأن القنبلة التي ألقيتها لم تكن سوى تأكيدٍ لكابوسٍ قديم كان يطارد مضجعه منذ أشهر. ملامح وجهه الأسطى الصلب، الذي نحتت فيه السنوات خطوط العزة والدغري، انكمشت كأنها صخرة تُطحن بالتدريج.

“أنا كنت عارف…”

نطقها عم مصطفى بصوت خفيض، صوت أبحّ طالع من قاع حسرة لا قاع لها.

فتحت طنط هدى فمها بشرخ من الهستيريا: “عارف إيه يا مصطفى؟! أنت بتقول إيه؟! منة بتقول إيه؟! شريف ابننا؟ شريف حبيبي يعمل كده؟! أنتِ أكيد فاهمة غلط يا منة! شريف بيحبك! شريف يقطع فرامل عربيتك؟ لا لا.. دي تمثيلية! دي عين وحسد!”

“اسكتي يا هدى!” صاح فيها عم مصطفى بنفس النبرة المكسورة ولكن بصرامة هزت أرجاء الغرفة. “اسكتي بقى وكفاية تعمية على عينك! منة متبليش عليه.. منة بتتكلم صح.”

التفتّ إليه بذهول، والدموع المعلقة في عيني تحجرت: “حضرتك… كنت عارف يا عمو؟!”

وقف عم مصطفى ببطء، وتوجه نحو نافذة الغرفة المطلة على البحيرة. كانت الشؤم يخيم على ظهره المنحني، ويداه اللتان أفنتا العمر في ورش الميكانيكا تشتبكان خلف ظهره.

“من شهرين…” بدأ يحكي وهو باصص للبعيد، “…شريف جالي الورشة القديمة في المنطقة. كان جاي يتسحب، فاكرني مش هناك. لقيت معاه واحد من الشبان العاطليين بتوع السرقات والتزوير، وكان بيسأله عن طريقة يقطع بيها خرطوم زيت الفرامل من غير ما يبان إنه مقصوص بموس، وعن الوقت اللي يحتاجه الزيت عشان يسرب كله بعد ما العربية تمشي كيلو أو اثنين.”

سقطت طنط هدى على الأريكة وهي تنتحب بصوت مكتوم، بينما أشرقت الحقيقة البشعة أمامي كشمس حارقة.

تابع عم مصطفى ونبرته تتقطع بالمرارة: “أول ما شفته، زعقت فيه وطردت الولد اللي معاه. ولما قفلت عليه الباب وسألته بيسأل الأسئلة القذرة دي ليه، ارتبك وتلجلج وقال لي دي مجرد فكرة لمشروع هندسي بيعملوه عن سيستم الأمان في العربيات! أنا ساعتها ضربته بالقلم على وشه.. القلم الوحيد اللي ضربتهوله في حياته. قولت له إحنا بتوع صنايع وأصول، ومبندخلش البيوت من أبواب الخيانة، ومبنزورش في أرواح الناس.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى