
الساعة جاوزت الثامنة والربع بقليل، والشقة بقت هادية بطريقة تفتح النفس على التركيز وترتيب أولويات الحياة من جديد. هالة نزلت بيتها، وأنا وقفت قدام مرايا الصالون الكبيرة، بصيت لعيوني.. مكنش فيها أي أثر للخوف ولا حتى للتردد اللي كان مسيطر عليا سنين. كنت شايفة قدامي ست جديدة، ست عرفت قيمة نفسها كويس وقررت إنها ما تقبلش بأقل من الكرامة الكاملة.
دخلت غرفة النوم الرئيسية.. الغرفة اللي كانت ليلة امبارح مأساة حقيقية، بقت النهاردة عنوان للتحرر. فتحت الدولاب، وبدأت أطلع هدوم رامي وحاجاته القليلة اللي سابها، وحطيتها في كراتين كرتونية كبيرة كنت مخبيها في المطبخ. مكنش عندي أي إحساس بالحنين ولا حتى بالوجع وأنا بعمل كدة؛ بالعكس، كل قطعة هدوم كنت برميها جوه الكرتونة، كنت بحس قصادها إن طاقة سلبية قديمة بتترمي برا حياتي للأبد.
لما خلصت لم هدومه كلها، قفلت الكراتين بشريط لاصق، وطلعتها برة عند باب الشقة عشان يجي ياخدها أو أبعتهالها مع أي حد، المهم إنها مبقتش جوه بيتي ولا مكان بياخد من هواء بتاعي.
رجعت جوه، وفتحت لاب توب بتاعي اللي كان مرمي ورا الملفات سنين. قعدت على الترابيزة وبدأت أكتب.. نعم، الكاتبة جوايا اللي كانت نايمة أو مقتولة بالحياة الزوجية المسمومة دي صحت فجأة وبقوة. بدأت أفتح ملفات “الورد” القديمة اللي كنت بكتب فيها رواياتي وقصصي وكتبتها باللهجة المصرية اللي بعشقها، ولقيت الأفكار بتتدفق في دماغي زي الشلال. مفيش قيود، مفيش حد بينط في وسط الكلام يقول “بطلي هبل واهتمي ببيتك”، مفيش حد بيقلل من شغفي وكتاباتي.
فتحت جروب “الكاتبات والناشرين في خدمة بعض” على الفيس بوك، ولقيت الرسائل والتعليقات شغال، بنات كتير بيسألوا عن الروايات الجديدة، وناس بتطلب الحلقات القادمة من القصص اللي كنت بنزلها. كتبت بوست جديد بكل ثقة وقوة:
“صباح الخير لكل الكاتبات الجدعان.. عودة قريبة جداً برواية جديدة، كاملة، ومن قلب الحقيقة. انتظرونا.”
التفاعل نزل زي المطر، آلاف الإعجابات والتعليقات المشجعة من الزميلات والأصدقاء اللي ما يعرفوش إني كنت لسه من ساعة واحدة بمر بأصعب لحظات عمري، بس اللي ظاهر لهم دايماً هو قوة إيمان ووقفتها.
الساعة بقت 9:00 الصبح، والتليفون رن برقم غريب.. مش رامي، ومش ليلى.
رديت بهدوء: “ألو؟”
“صباح الخير يا إيمان هانم.. معاكي أستاذ عاصم المحامي تاني.” قالها بصوت هادي ومطمن. “كنت بتصل أبلغك إن رامي جه من شوية المحكتب عشان يستفسر عن الكراتين وهدومه، وأنا عرفته إنه يقدر يطلع يستلمها من قدام الباب في العنوان القديم، وبلغته كمان إن أي محاولة احتكاك تاني منك هتعرضه للمساءلة القانونية الفورية.. يعني اطمني تماماً، الراجل مبقاش عنده أي حيلة ولا يقدر ينطق بحرف.”
ابتسمت وأنا ببص برا الشباك: “متشكرة جداً لتعبك معايا يا أستاذ عاصم.. بجد مش عارفة أقولك إيه.”
“ده شغلي يا بنتي، وأنا شفت بعيني إنتي استحملتِ قد إيه.. ربنا يعوضك خير.” وقفل الخط.
بعدها بدقايق، سمعت صوت خطوات خفيفة برة على السلم، وبعدها صوت خبطة خفيفة على الباب. عرفت إنه هو.. رامي الجبان اللي جاي يلم رماده ويجري.
مفتحتش الباب.. ولا فكرت أبص حتى في العين السحرية. سبته ياخد كراتينه ويمشي زي الحرامي في الليل، أو بالأحرى.. في النهار اللي مش فالح فيه. سمعت صوت جره للكراتين على السلم، وبعدها صوت الأسانسور وهو بينزل بيه.
فتحت باب الشقة بعد ما مشي بدقايق، لقيت الكراتين اتصفت تماماً ومبقاش قدام بابي غير الهوا النضيف. دخلت وقبلت باب الشقة وقفلته، ورجعت قعدت تاني قدام اللاب توب، وكتبت أول سطر في روايتي الجديدة:
“في ناس تفتكر إن الكسرة نهاية العالم، وما تعرفش إنها بتكون البداية الحقيقية لكل حاجة حلوة كنا محرومين منها.. وبس.”
الساعة بقت 10:30 الصبح، والشقة هادية تماماً ومرتبة بطريقة بتعكس الهدوء اللي وصل له عقلي وقلبي. الكراتين اللي كانت بره اتبهدلت واتشالت، ومبقاش فيه أي ريحة للماضي بكل ما فيه من ووجع وقهر.
قمت دخلت المطبخ، وفتحت الثلاجة عشان أجهز فطور خفيف ومغذي لنفسي. لأول مرة من سنين طويلة، ما فكرتش “يا ترى رامي بيحب البيض أزاي؟” ولا “يا ترى الفول محتاج ليمون قد إيه عشان يعجبه؟”. طبخت لنفسي وبس، أكلت وأنا مستمتاعة بكل لقمة، وبكل لحظة هدوء مالية البيت اللي رجع بتاعي أنا وبس.
بعد الفطور، جهزت نفسي ولبست لبس الخروج بتاعي.. فستان بسيط ومريح بلون مبهج، ونزلت أتمشى شوية في شوارع التجمع الهادئة تحت أشعة الشمس الدافية. الهوا كان خفيف وجميل، وكل خطوة كنت بقطها في الشارع كانت بتثبت لي إني أخدت القرار الصح في الوقت الصح. محدش بيتحكم في خطواتي، ومحدش بيراقب أنا رايحة فين ولا جاية منين. بقيت حرة تماماً.
في طريقي، دخلت مكتبة قريبة وشتريت كشكول جديد وأقلام بألوان مبهجة، ورجعت البيت وأنا حاسّة بنشاط غريب. قعدت على مكتبي، وفتحت تليفوني لقيت جروب “الكاتبات والناشرين فى خدمة بعض” مولع تعليقات ورسايل من البنات الزميلات، وكلهم مستنيين الرواية الجديدة بفارغ الصبر.
دخلت على صفحة الجروب، وكتبت منشور جديد:
“يا بنات.. البدايات الجديدة دايماً أصعب خطوة، بس لما بتكون عن اقتناع وقوة، بتطلع أحلى بكتير من اللي تخيلناه. الفصل الأول من روايتي الجديدة ‘السر الملعون’ بينزل دلوقتي حالا على صفحتي.. استنوني.”
نزلت الفصل الأول، ومباشرة بدأت التعليقات والإعجابات تنزل كالتدفق. البنات كانوا مندمجين جداً مع الأحداث، وكأنهم حسّوا بصدق كل كلمة وكل دمعة اتكتبت بين السطور. حسيت بسعادة حقيقية ما حسيتهاش من سنين، سعادة النجاح وتحقيق الذات بعيداً عن أي ضغط أو إهانة.
الساعة بقت 1:00 ظهرًا، والتليفون رن برقم غريب تاني. فتحت الخط، فلقيتها صديقتي القديمة “منى”، اللي كانت متأخرة عني في العزومة اللي فاتت.
“إيمان يا حبيبتي! عاملة ايه؟ أنا كنت بكلمك من بدري وتليفونك كان مشغول أو مقفول.. معلش أصل حصل معايا ظروف.. أنتي أخبارك إيه مع رامي؟” قالتها منى بصوتها الحيوي.
خدت نفس عميق وقولت بهدوء تام وبابتسامة واسعة: “أنا في أتم نعمة يا منى.. ورامي خلاص، بقى في صبّاح الـ ماضي. تطلقنا النهاردة الصبح.”
سكتت منى على الناحية التانية بصدمة تامة، وبعدها قالت بصوت عالي: “إنتي بتقولي ايه؟! طلقتي؟! إزاي وامتى؟! طب تعالي أنا جاية لك حالاً!”
“تعالي يا منى.. البيت منور بوجودك، وأنا مستنياكي عشان أحكيلك قصة الكارما وهي بتدخل بالشبشب.” قفلت معاها وأنا بضحك بصوت عالي، لأول مرة أحس إن الضحكة طالعة من قلبي بجد.
الساعة بقت 2:00 الظهر، والجرس رن رنة سريعة مألوفة. فتحت الباب، ولقيت “منى” واقفة قدامي وعينيها مبروقة من الصدمة ومفتوحة على آخرها، وماسكة شنطتها كأنها طايرة في الهوا.
“إيمان!! أنا مش مصدقاني! إنتي اتطلقتي بجد؟! طب إزاي؟! ورامي فين؟! وليلى فين؟!” قالتها منى وهي بتدخل الصالة وت




