
أول ما عينه جت في عيني، ابتسامة واسعة ومليانة حب حقيقي نطت على وشّه. قرب مني بخطوات هادئة، مسك إيدي وباسها بحنان وقال بصوت دافئ:
— أخيرًا القمر ظهر.. ألف مبروك يا روح قلبي، ووعد مني، كل دمعة نزلت زمان، هعوضك عنها بضحكة من قلبك لحد ما نقبر سوا.
دموع الفرح نزلت غصب عني، بس المرة دي مكنش فيها أي وجع، وقلت بصوت مهتز من السعادة:
— ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدًا.
نزلنا مع بعض وسط زغاريط أهلي وتصفيقهم الحار. ما كانش فيه أي خوف من بكرة، ولا أي قلق من كدب مختبي في الزوايا. كل حاجة كانت واضحة، نور الشمس كان مالي المكان، والحب كان حقيقي مش مجرد شعارات على ورق.
وفي الوقت ده، بعيد عن كل الأجواء الجميلة دي، في شقة مظلمة وباردة، كان إبراهيم قاعد لوحده.
الناس اللي حواليه حكولي بعدين إنه انطوى على نفسه تمامًا. الشقة اللي باع فيها كرامتي وخدع فيها الكل بقت سجن كبير ليه. أمه رفضت تمامًا تشوفه أو تسامحه، وشركة البرمجيات طردته نهائيًا بعد الشكاوي، وحتى خطيبته السابقة ياسمين بدات حياة جديدة بعيد عنه تمامًا. بقى عايش وسط ذكريات كدبه، بيدفع ثمن الخيانة والجبن غالي أوي.. لوحده، من غير أهل، من غير زوجة صانتّه، ومن غير أي سند.
لكن أنا، كنت في عالم تاني خالص.
ركبنا العربية أنا وزياد، وتحركنا ناحية بيتنا الجديد. بيت متأسس على الصدق، والأمان، والاحترام المتبادل. طول الطريق، إيده كانت ماسكة إيدي بقوة، وكأنه بياكد لي إن اللي جاي كله أمان واستقرار.
دخلت بيتي الجديد، وبصيت حواليا. الحيطان كانت نضيفة، الهوا كان طاهر، ومافيش أي صور مخفية ولا أسرار مرعبة مستخبية وراء الشجر.
قعدت على الكنبة، وتنفس بعمق شديد كأن العالم كله بقى ملكي. بص لي زياد وهو بيقدم لي كوباية عصير بابتسامة ساحرة وقال:
— مرتاحة يا نوال؟
بصيت لعيونه الصادقة، وابتسمت من قلبي لأول مرة بحرية تامة، وقلت:
— عمري ما حسيت بالراحة دي قبل كده يا زياد.. أنا أخيرًا في مكاني الحقيقي.
وهنا.. قفلت كتاب الماضي للأبد، وبدأت أحلى وأطهر فصل في حياتي. الفصل اللي مفيش فيه مكان للكدب، واللي النهاية فيه كانت لصالحة الإنسانة اللي صبرت، وصانت كرامتها، ولقيت في الآخر العوض اللي يستاهلها.




