روايات وقصص

حكايات اسما 1

مد إيده وربت على كتفي وقال:

— إنتِ بس محتاجة وقت تستوعبي الموضوع.

بصيت لإيده على كتفي.

وبعدين بصيت في عينيه.

وسألته:

— إنت سامع نفسك؟

— سارة…

— إنت فاكر إني ممكن أوافق على المهزلة دي؟

— مش مهزلة.

— بالنسبة لي مهزلة.

— دي حياتي برضه.

قلت فورًا:

— وحياتي أنا؟

سكت.

فقلت:

— ولا أنا دوري أستناك نص الأسبوع، وأجهزلك البيت والأكل والهدوم، ولما يخلص دوري تقوم شايل شنطتك ورايح للبيت التاني؟

قال بضيق:

— إنتِ بتصعبي الموضوع.

— أنا؟!

قام من مكانه.

وقال:

— مش هنتكلم وإنتِ متعصبة.

وسابني ودخل أوضة النوم.

مشيت وراه.

ولما وصلت لباب الأوضة…

وقفت.

شريف كان فاتح الدولاب.

ومطلع شنطة سفر صغيرة.

وبيحط فيها هدومه.

قميصين.

بنطلون.

هدوم بيت.

حتى البرفان بتاعه.

قلت:

— إنت بتعمل إيه؟

رد من غير ما يبصلي:

— هروح أقعد عندها كام يوم.

حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.

— دلوقتي؟

— آه.

— وسايبني أنا وابنك وتمشي؟

وقف لحظة.

وبعدين قال:

— أنا مش سايبكم. أنا بديكي مساحة تهدي وتفكري بعقل.

الجملة دي استفزتني.

كأنه هو العاقل وأنا المجنونة اللي محتاجة تهدى.

قلت:

— وأنا لو قلتلك ما ترجعش؟

بصلي.

أول مرة من ساعة ما بدأ الكلام أشوف القلق في عينه.

لكنه اختفى بسرعة.

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

— إنتِ زعلانة دلوقتي… لما تهدي مش هتقولي كده.

قفل الشنطة.

شالها.

وقبل ما يخرج من الأوضة قال:

— أنا عارفك يا سارة. إنتِ بتحبي بيتك ومستحيل تهديه.

الجملة وقفتني.

“أنا عارفك.”

يمكن دي كانت غلطته الحقيقية.

إنه كان متأكد إنه عارفني.

كان متأكد إن خوفي على بيتي أقوى من كرامتي.

وإن حبي ليه هيخليني أقبل بأي حاجة علشان ما أخسرهوش.

خرج ناحية باب الشقة.

وقبل ما يفتح، قال:

— هرجع أول الأسبوع في معادي مع ياسين.

ما رديتش.

خرج.

والباب اتقفل.

فضلت واقفة في نص الصالة.

ساكتة.

ما عيطتش.

الغريب إني ما قدرتش أعيط أصلًا.

بصيت حواليّا.

للبيت اللي اخترنا عفشه سوا.

للصور المعلقة على الحيطة.

صورة فرحنا.

صورة يوم ولادة ياسين.

صورة من أول مصيف لينا بعد الجواز.

وفجأة حسيت إن كل الصور دي بقت بتخص ناس تانيين.

ناس كانوا موجودين زمان.

لكنهم مش إحنا دلوقتي.

قعدت على الكنبة.

وبعد حوالي عشر دقايق، سمعت صوت باب أوضة ياسين.

خرج وهو بيفرك عينه.

— ماما؟

مسحت وشي بسرعة رغم إني ماكنتش بعيط.

— نعم يا حبيبي؟

— بابا مشي؟

اتجمدت.

واضح إنه سمع صوت الباب.

قلت:

— آه… عنده مشوار.

— هيرجع بكرة؟

ه.

ما عرفتش أرد.

فحضنته.

قلت:

— نام يا حبيبي… وبكرة نبقى نتكلم.

رجع نام.

وأنا ما نمتش.

قعدت طول الليل أفكر.

الغضب كان موجود.

الوجع موجود.

لكن أكتر حاجة كانت بتاكلني…

إن شريف كان واثق.

واثق إني هقبل.

واثق إن البيت هيفضل مفتوح.

واثق إنه يقدر يدخل ويخرج وقت ما يحب.

حتى إنه قبل ما يمشي حط نسخة المفتاح في جيبه عادي جدًا.

كأنه فعلًا راجع بيته بعد كام يوم.

مع الفجر، أخدت قرار.

مش قرار انتقام.

ولا قرار متهور.

قرار واحد بس:

أنا مش هعيش الحياة اللي هو اختارها لي من غير ما يسألني.

الصبح، بعد ما وصلت ياسين الحضانة، بدأت أرتب أفكاري.

أول مكالمة عملتها كانت لأخويا الكبير.

ما حكيتلوش كل حاجة.

قلتله بس:

— محتاجة أقابلك النهارده… ضروري.

سمع صوتي وقال:

— حصل إيه؟

— لما تيجي هقولك.

بعدها عملت مكالمة تانية.

المرة دي لشخص متخصص علشان أعرف موقفي وحقوقي قبل ما أخد أي خطوة.

كنت محتاجة أفهم كل حاجة بهدوء.

مش عايزة غضبي يخليني أتصرف تصرف أندم عليه.

بعدها فتحت الدولاب.

بصيت لهدوم شريف.

للحاجات اللي سابها لأنه متأكد إنه راجع.

وقفت قدامها فترة طويلة.

وبعدين ابتسمت.

هو قال لي إنه إداني كام يوم أفكر.

وأنا فعلًا كنت ناوية أستغلهم.

لكن مش علشان أتعود على الوضع.

علشان أقرر أنا عايزة إيه.

في اليوم التاني…

شريف بعتلي رسالة:

“هديتي؟”

قريتها وما رديتش.

بعد ساعة بعت:

“طمنيني على ياسين.”

رديت:

“كويس.”

فقط.

بعدها اتصل.

ما رديتش.

اتصل تاني.

وبرضه ما رديتش.

بعد شوية وصلت رسالة:

“سارة، بلاش أسلوب الأطفال ده. لازم نتعامل بنضج.”

ضحكت لما قريتها.

هو شايف إن النضج معناه إني أوافق.

أما الرفض بالنسباله فهو “تصرف أطفال”.

حطيت الموبايل على جنب وكملت اللي بعمله.

اليوم التالت…

بدأ صوته يتغير.

بعت:

“أنا هرجع الأحد زي ما اتفقنا.”

بصيت للجملة.

“زي ما اتفقنا.”

كتبت الرد.

مسحته.

كتبت تاني.

ومسحته.

وفي الآخر ما بعتش حاجة.

لأن فيه جملة واحدة كانت بتلف في دماغي:

إحنا ما اتفقناش على حاجة.

هو قرر.

وأنا سكت من الصدمة.

وفي فرق كبير جدًا بين السكوت والموافقة.

جاء يوم الأحد.

صحيت بدري.

جهزت ياسين.

قضيت اليوم طبيعي جدًا.

لكن قبل المغرب، كنت مستعدة.

عارفة إن شريف هيرجع حوالي سبعة.

الساعة سبعة وعشر دقايق…

سمعت صوت المفتاح.

وقف قلبي للحظة.

مش خوف.

يمكن رهبة من المواجهة.

المفتاح لف.

والباب اتفتح.

دخل شريف.

كان لابس قميص جديد ما شفتوش قبل كده.

وشايل نفس شنطة السفر.

ريحة برفان غريبة دخلت قبله.

قفل الباب وراه وقال بصوت مرح:

— مساء الخير.

ما رديتش.

حط المفاتيح على الترابيزة وقال:

— إزيك؟ أتمنى تكوني هديتي وفكرتي بعقل المرة دي.

فضلت ساكتة.

ابتسم بثقة.

— صدقيني يا سارة، مع الوقت هتكتشفي إن ده أحسن حل لينا كلنا.

مشى ناحية الصالة.

خطوتين.

تلاتة.

وبعدين…

وقف.

جسمه كله اتجمد.

شنطة السفر وقعت من إيده على الأرض.

فضل باصص قدامه.

مرة ناحية يمين الصالة.

ومرة ناحية الشمال.

وبعدين بصلي.

وشه كان فقد كل الثقة اللي دخل بيها.

قال بتلعثم:

— استني…

ما رديتش.

رفع صوته:

— إيه اللي بيحصل هنا؟!

ابتسمت بهدوء.

اتقدم خطوتين.

— سارة… أنا بسألك! إيه اللي إنتِ عملتيه؟!

قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى