روايات وقصص

بنتي كانت ماليه 3 عربيات 4

مرت أربعة أيام على قرار الإخلاء، وفي كل يوم كانت العاصفة تشتد داخل جدران الدور الأرضي.

الشقة التي كانت يوماً تفوح بعبير طعامي الدافئ وصوت حركة يدَيّ بين الأواني والمستندات، أصبحت تحكمها رائحة الفوضى والوجوم. الأطباق المتسخة تراكمت في الحوض حتى أوشكت على ، ورائحة سلة المهملات التي لم يفرغها أحد أزكمت الأنوف، والكلب “ديجو” كان يعوي بانتظام عند الباب دون أن يجد من يأخذه في جولته اليومية.

داليا كانت تجلس على أرضية الصالة، محاطة بإنذارات المحكمة، وإخطارات البنك المتأخرة، وأوراق إيقاف شريف عن العمل. تحول وجهها الجميل إلى شحوب داكن، وغارت عيناها من قلة النوم والدموع التي لم تجف.

أما شريف، فكان يدور في الغرفة كالمجنون. هاتفه لم يتوقف عن الرنين، ولكن ليس لأجل عروض عمل جديدة، بل كانت اتصالات من زملائه الذين وصلهم خبر تحويله للتحقيق في الشركة، ومن البنك الذي يطالب بقسط السيارة التأخيري، ومن صاحب محل المشويات الذي يطالب بـ 4 آلاف جنيه باقي حساب عزومة “الأستاذ مجدي” الفاشلة.

— وبعدين يا شريف؟!

صرخت داليا وهي ترفع إحدى الأوراق الرسمية في وجهه.

— المحضر جايلنا بكرة الصبح يوقع على إقرار التنفيذ! 25 ألف جنيه إيجار شهري أو الإخلاء خلال 10 أيام! إنت متخيل إحنا رايحين فين؟! إحنا هنترمي في الشارع!

شريف وقف ورزع قبضة يده على الحائط:

— وإنتِ جاية تصرخي فيا أنا ليه؟! ما تروحي لأمك! مش دي أمك اللي كنتِ بتقولي لي دي طيبة وما بتزعلش وهتسكت؟ مش دي اللي بعتِ بيتها وأخدتي فلوسه عشان نعمل الدور الأرضي ده باسمنا؟! روحي لها الزمالك! اترجيها! خذي رجليها في حضنك وبوسي أيديها قبل ما البيت يخرب باللي فيه!

— أروح لها الزمالك؟! إنت فاكرني ما حاولتوش؟!

داليا قعدت على الأرض وبكت بحرقة وهي بتفتكر اللي حصل امبارح بالليل.

بالأمس، وقفت داليا أمام عمارة الزمالك القديمة. العمارة ذات الطابع الأوروبي الأنيق والهدوء الساحر. صعدت الدور الثالث، ووقفت أمام الباب الخشبي العريض وهي ترتجف. خبطت بكل قوتها، وكانت تتمنى أن أفتح لها الباب، أن ترتمي في حضني كما كانت تفعل وهي طفلة، وأن أقول لها “معلش يا داليا.. حصل خير”.

لكن الباب لم يفتح.

خرج لها عماد المحامي من الشقة المجاورة، وبص لها بنظرة هادئة وصارمة:

— الأستاذة سعاد مش هتقابلك يا داليا.

— عماد! أرجوك خليني أشوفها! دي أمي! إحنا بنضيع! شريف اتطرد من شغله والبنك هيسحب العربية والمحكمة هترمينا في الشارع! قولها سامحيني.. أنا آسفة يا أمي!

عماد وقف بثبات وقال بصوت خفيض:

— الأسف ده كان ينفع لما كانت واقفة جنبك في السوبر ماركت، وبتقولك علاجها أهم من الأكل الغالي، وإنتِ قلتي لها ده أقل واجب عشان عايشة معانا. الأسف كان ينفع لما حشرتي سريرها جنب حيطة الرطوبة، واستكترتي عليها أوضة تلم فيها كبرها. والدتك مش زعلانة منك يا داليا.. والدتك استوعبت الحقيقة بس. ولما الأم بتستوعب إن وجودها بقى عبء وسبوبة.. بتنسحب للأبد.

— أنا مستعدة أرجع كل حاجة! الفلوس والبيت وأعملها اللي هي عايزاه!

عماد ابتسم ابتسامة باهتة:

— الفلوس والقانون بياخدوا مجراهم خلاص. والدتك تنازلت عن أي مطالب شخصية منكم، بس حقها المالي والعقاري هيتاخد بالقانون لحد آخر مليم. ارجعي يا داليا.. وجهزي نفسك للإخلاء.

داليا رجعت يومها وهي مش حاسة برجليها. والنهاردة، كان يوم الحساب الحقيقي.

في شقة الزمالك، كنت أقعد في الصالون الهادئ. شباك البلكونة المفتوح كان يدخل نسيم الأغسطس العليل. كنت أرتدي فستاناً بسيطاً وأنيقاً من ثيابي القديمة التي استعدتها من المخزن، وأمامي كوب الشاي المفضل وبعض القطع من الكعك الدافي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى