
عماد كان يراجع معي الملفات الأخيرة:
— طنط سعاد.. الشركة الخاصة بشريف أرسلت طلب استفسار رسمي للمحكمة يسألون فيه عن صحة التقارير المالية للسنوات الأربع الماضية. وطبعاً التحقيق أثبت إن كل التقارير الممتازة اللي أخد عليها مكافآت كانت بخط يدك وبملاحظاتك الحسابية، وده أثبت رسمياً أمام إدارة الشركة إن شريف كان غير كفء كلياً، وتم تثبيت قرار طرده النهائي مع حرمانه من مكافأة نهاية الخدمة.
نظرت لعماد بنظرة هادئة دون أي تشفٍّ أو غضب:
— شريف أخد فرصة أربع سنين عشان يتنعم بجهد غيره يا عماد. والجامعة اللي خرجته ما علمتهوش إن المال الحرام والجهد المسروق ما بيبنيش بيت.
— وبخصوص الدور الأرضي؟
— المحضر هيسلمهم التنبيه النهائي بكرة. لو ما دفعوش القيمة الإيجارية المحددة أو خلو المكان، الحجز التحفظي هينزل على منقولات الدور الأرضي وفاء للديون المتراكمة عليهم من فواتير الكهرباء والمياه التي كنت أدفعها من تقاعدي طوال السنوات الماضية.
في هذه الأثناء، كان الشارع أمام بيت داليا وشريف يمتلئ بالحركة.
سيارة الونش التابعة للبنك وصلت لسحب سيارة شريف المعطلة الأقساط. الجيران كانوا يطلون من الشرفات وينظرون بذهول لشريف وهو يقف بملابس البيت الشاحبة ويتوسل لمندوب البنك كي يعطيه مهلة أسبوع واحد فقط.
— يا أستاذ شريف ده أمر تنفيذ رسمي من المحكمة والبنك! ارفع إيدك عن العربية!
الناس في الشارع بدأوا يتهامسون:
— مش ده شريف اللي كان بيمشي يتكبر على خلق الله؟
— أيوة.. وبنته داليا اللي كانت بتعامل أمها الست الحجة سعاد كأنها خدامة عندهم!
— سبحان مغير الأحوال.. ربك ما بيسيبش حق حد، والست العجوزة اللي هانوها ربنا جاب لها حقها في كام يوم!
داليا كانت تطل من شباك الصالة، تراقب سقوط إمبراطوريتها المزيفة حجراً بعد حجر. السيارة سُحبت، والشغل ضاع، والديون ، والبيت الذي ظنت أنها تملكه أصلح مهmapping على وشك أن يُغلق بالشمع الأحمر.
دخل شريف ووجهه مسود كقطع الليل. بص لداليا وقال بصوت مبحوح:
— إحنا خلاص يا داليا.. .
داليا بصت له والدموع جفت في عينيها، وقالت بصوت ميت:
— إحنا ما انكسرناش النهاردة يا شريف.. إحنا انكسرنا من يوم ما طفينا النور في أوضة أمي وقلنا لها دي كراكيب. إحنا انكسرنا من يوم ما سيبناها في السوبر ماركت وقفلنا في وشها الباب.
التليفون على الترابيزة رن.
كانت رسالة نصية قصيرة وصلت لهاتف داليا وشريف في نفس اللحظة، من رقم عماد المحامي، وبند قانوني واضح ومختصر:
“تنبيه أخير: غداً الساعة العاشرة صباحاً، موعد تسليم مفاتيح الدور الأرضي أو بدء إجراءات التحفظ القانوني. الأستاذة سعاد لن تكون متواجدة، ولن تستقبل أي اتصالات شخصية.”
شريف سقط على الركبتين على الأرض، وداليا أغلقت عينيها واستسلمت للظلام الذي صنعاه بأيديهما.
وفي الزمالك، أقفلت محفظتي الحمراء، وضعتها في شنطتي، ووقفت أمام المرآة. ابتسمت لنفسي ابتسامة رضا صافية. كنت أعلم أن الغد لن يكون مجرد يوم عادي، بل سيكون الفصل الأخير الذي يُغلق فيه كتاب الاستغلال إلى الأبد، وتُفتح فيه صفحة جديدة لامرأة قررت أن تسترد عمرها وكرامتها بعد فوات الأوان.
أشرقت شمس الساعة التاسعة صباحاً على شارع الزمالك، هادئة ونقية. كنت أقوم بتبخير الصالة بعود الند الدافئ، وأستمع لشدوات أم كلثوم بصوت خفيض ينبعث من الراديو القديم.
على طاولة السفرة الخشبية، كانت نظارتي القراءة ومحفظتي الحمراء وجواز سفري يستقرون في أمان، إلى جوار تذكرتي سفر إلى أسوان؛ الرحلة التي حلمت بها طوال عشر سنوات وكان حسن الله يرحمه يمنى بها، ومنعني عنها في الأربع سنوات الماضية القلقُ المستمر وخوفُ “خراب بيت داليا”.
في تلك اللحظة، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، كانت سيارة المحضر، يرافقها عماد واثنان من رجال تنفيذ الأحكام، تقف أمام بوابة الدور الأرضي بمدينة نصر.
الشارع كان يراقب في صمت.
داليا وشريف كانا يقفان على العتبة الخارجية، وإلى جوارهما ثلاث حقائب سفر كبيرة متهالكة، فيها ما استطاعا جمعه من ملابسهما الشخصية. كانت داليا ترتدي عباءة سوداء بسيطة، وشعرها مشعث وجهها شاحب كالموتى، بينما كان شريف يمسك بيده حبل الكلب “ديجو”، وعيناه غائرتان لا تنظران إلى أحد.
وقف المحضر وأخرج دفتره الرسمي:
— الأستاذة داليا حسن والأستاذ شريف الشناوي.. تم تسليم مفاتيح العقار بالكامل للأستاذ عماد، الوكيل القانوني عن الأستاذة سعاد عبد الحميد، بعد إثبات حالة المكان والتحفظ على المنقولات مقابل الديون والفواتير المتأخرة والمثبتة قانونياً. اتفضلوا وقّعوا هنا بالاستلام والإخلاء.
وقعت داليا بكتفين مائلين وإيد ترتجف، ولم تنطق بحرف.
شريف نظر لعماد بنبرة رجاء أصلها الذل:
— يا أستاذ عماد.. أرجوك.. قول لطنط سعاد تدينا مهلة بس أسبوع نلاقي حتة نقعد فيها. إحنا رايحين عند أختي في شقة أوضتين وصالة، مش هتعرف تشيلنا بالكلب ومصاريفنا! أنا معاييش حتى تمن التاكسي اللي ينقل الحقائب دي!
عماد أخذ المفاتيح ووضعها في جيبه، وبص لشريف بثبات ونبرة خالية من أي انفعال:
— الأستاذة سعاد سابت لك الميزانية اللي إنت فشلت فيها يا شريف.. عشان تتعلم إن اللي ما بيعرفش يحسب حساباته مع ربنا ومع الناس، الأرقام بتكسره في الآخر. والأستاذة سعاد بعتت معاكم المبلغ ده..
أخرج عماد غلافاً أبيض صغيراً ومد يده به لداليا.
فتحت داليا الغلاف بلهفة، فوجدت فيه ألفي جنيه.. ومعها الورقة البيضاء الصغار ذاتها، الدقيقة، التي طالما كتبت عليها بخطي اليدوي:
“دول تمن التاكسي وتمن علبة الشاي باليانسون اللي ما لحقتش أشربها في السوبر ماركت.. البيت ده أنا قفلته بفلوسي وصحتي اللي ضاعوا، والباب اللي قفلتوه في وشي، ربنا فتحه لي في كبري. ما تفتكروش إني انتقمت.. أنا بس سبتكم تدفعوا تمن أفعالكم.”
داليا سقطت على ركبتيها على الرصيف، وضمت الورقة لصدرها وبكت بصوت هز الشارع كله.. صوت ندم مأساوي لا ينفع فيه بكاء ولا اعتذار. عرفت في تلك اللحظة أن الفقد الحقيقي ليس فقدان المال ولا البيت ولا السيارة.. الفقد الحقيقي هو أن تخسر أمك التي كانت سترك وسندك، وتكتشف أنك كنت السبب في طرد نفسك من جنتها.
شريف حمل الحقائب بقلة حيلة، وجر خطواته وهو يحمل خيبته وطرديته من عمله، وداليا تسير خلفه تجر قدميها والكلب يتعثر في حبلها، يبتعدون في الشارع تحت أنظار الجيران، نحو حياة جديدة ملؤها الضياع والديون والمواجهة الحقيقية مع الحياة بدون “سعاد”.
في شقة الزمالك، أغلق عماد الباب ودخل مبتسماً، وضع المفاتيح على الطاولة أمامي:
— تم الإخلاء بالكامل يا طنط سعاد.. والدور الأرضي تم تأجيره رسمياً ابتداءً من الشهر القادم لأكاديمية تعليمية بـ 30 ألف جنيه شهرياً.
نظرت للمفاتيح، ثم رفعت عيني لنظارتي القراءة ومحفظتي الحمراء.
تنهدت نفساً عميقاً، صافياً، خالياً من أي كره أو مرارة.
حملت حقيبتي الصغيرة، ونظرت لعماد بابتسامة مشرقة:
— يلا بينا يا عماد.. القطار بتاع أسوان فاضل عليه ساعة، وأنا تأخرت أربع سنين كاملة على الرحلة دي.
خرجت من الشقة، والباب الأوتوماتيكي للحياة الجديدة ينفتح أمامي.. خفيفة، عزيزة، وحرة.




